كوهن يكتب: المغرب ليس “دركيا بحريا” لأحد… كيف أخطأ سانشيز ومن معه في تقدير القوة الجيوسياسية للمملكة؟

كوهن يكتب: المغرب ليس “دركيا بحريا” لأحد… كيف أخطأ سانشيز ومن معه في تقدير القوة الجيوسياسية للمملكة؟

 

بقلم نسيم كوهن / الأمانة العامة للتكتل المغربي للترافع السيادي

من وجهة نظري، هناك أخطاء سياسية يمكن تجاوزها، وهناك أخطاء في تقدير موازين القوة تتحول إلى أزمات استراتيجية، ويبدو أن رئيس الحكومة الإسبانية ومن معه، وقعوا في النوع الثاني من الأخطاء عندما تعاملوا مع المملكة المغربية باعتبارها مجرد جار يضطلع بمهمة تأمين الحدود الجنوبية لأوروبا، لا باعتبارها قوة إقليمية صاعدة تمتلك رؤية سيادية وأوراقا جيوسياسية تجعل منها أحد أهم الفاعلين في معادلة الأمن والاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط والواجهة الأطلسية.
لقد كشفت أزمة سبتة الأخيرة، بما رافقها من ارتباك داخل المؤسسات الإسبانية والأوروبية، حقيقة حاولت بعض النخب السياسية في مدريد تجاهلها لسنوات، وهي أن المغرب ليس “دركيا بحريا” لأحد، ولا يؤدي أدواره الأمنية خدمة لإسبانيا أو للاتحاد الأوروبي، وإنما انطلاقا من مسؤوليته الوطنية وخياراته الاستراتيجية ومصالحه السيادية، فالمملكة المغربية التي استثمرت لعقود في بناء مؤسسات أمنية واستخباراتية محترفة، وفي تطوير منظومة متقدمة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، لم تكن تبحث عن اعتراف أو امتنان، بل كانت تؤسس لنموذج دولة مستقرة تدرك أن أمنها يبدأ من حدودها، لكنه لا ينتهي عندها، وما حدث في سبتة أكد، بصورة لا تقبل التأويل، أن أمن الضفة الشمالية للمتوسط لا يمكن عزله عن الاستقرار الذي تصنعه الرباط في الضفة الجنوبية، فبينما سارعت بعض الأصوات السياسية والإعلامية إلى محاولة تحميل المغرب مسؤولية ما جرى، خرجت الحكومة الإسبانية نفسها لتنفي أي تورط للمملكة، حيث أكد وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا أن المغرب شريك موثوق، وأنه يواصل التنسيق الكامل مع مدريد، وأن شبكات الاتجار بالبشر والتهريب هي المسؤولة عن تنظيم موجات العبور، ولم يكن هذا التصريح مجاملة دبلوماسية، بل اعترافا سياسيا بأهمية الدور المغربي وبأن المملكة لم تتخل عن مسؤولياتها الأمنية رغم حساسية الظرف، ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو اعتراف الحكومة الإسبانية بأنها لم تكن تمتلك أي معلومات استخباراتية تنذر بوقوع موجة العبور الجماعي، وهو اعتراف يكشف أن الخلل لم يكن في أداء المغرب، بل في قدرة المؤسسات الإسبانية على استشراف المخاطر والتعامل معها، فحين تعترف حكومة عضو في الاتحاد الأوروبي بأنها فوجئت بما وقع، فإن ذلك يطرح أسئلة عميقة حول جاهزية منظومتها الأمنية، ويؤكد في المقابل حجم الاعتماد الذي أصبحت تمثله الشراكة مع المغرب في تدبير الأمن الحدودي، ولم يكن مستغربا، بعد ذلك، أن يجد سانشيز نفسه في مواجهة انتقادات داخلية وأوروبية، وأن يضطر إلى مطالبة قادة الاتحاد الأوروبي بعدم الانقسام، والدعوة إلى اجتماع عاجل لوزراء الداخلية، في محاولة لاحتواء أزمة تجاوزت في آثارها الحدود الإسبانية لتلامس أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لأوروبا، وهو ملف الهجرة وأمن فضاء شنغن، فحين تصبح إسبانيا مطالبة بالدفاع أمام شركائها الأوروبيين عن قدرتها على حماية الحدود الخارجية للاتحاد، فإن ذلك يعكس أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍ ميداني، بل تحولت إلى اختبار سياسي لمكانة مدريد داخل المنظومة الأوروبية.
وفي المقابل، برزت المملكة المغربية، مرة أخرى، باعتبارها الدولة الأكثر استقرارا في محيط إقليمي مضطرب، فالمملكة لم تبن قوتها على ردود الفعل، وإنما على استراتيجية طويلة النفس جمعت بين تحديث المؤسسات الأمنية، وترسيخ الاستقرار الداخلي، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وتنويع الشراكات الدولية، وهو ما جعلها اليوم رقما صعبا في معادلات المتوسط والأطلسي والساحل الإفريقي، ولم يعد ينظر إلى الرباط باعتبارها مجرد طرف في ملفات الهجرة، بل باعتبارها شريكا محوريا في مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، ومحاربة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وضمان استقرار فضاء جيوسياسي شديد الحساسية بالنسبة للمصالح الأوروبية والدولية، ومن هنا، فإن القراءة التي تحاول اختزال ما جرى في مجرد أزمة هجرة أو حادث عرضي تبدو قراءة قاصرة، لأنها تتجاهل التحولات العميقة التي يعرفها ميزان القوى في المنطقة، فمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، كما أن البيئة الجيوسياسية لم تعد تسمح بالتعامل مع المملكة بمنطق الوصاية أو الافتراض بأن تعاونها الأمني أمر مضمون بغض النظر عن طبيعة العلاقات السياسية، لقد أصبحت الرباط تمتلك من عناصر القوة والشرعية والمؤسساتية ما يجعلها شريكا لا يمكن تجاوزه، وليس مجرد منفذ لسياسات تصاغ في عواصم أخرى، وفي خضم هذه التطورات، عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش الدولي، مع تنامي أصوات داخل الأوساط الغربية تعتبر أن استمرار هذا الوضع الاستعماري لم يعد منسجما مع منطق العصر ولا مع التحولات التي تعرفها المنطقة، صحيح أن المواقف الرسمية للدول لم تتغير، لكن مجرد انتقال النقاش من الهامش إلى فضاءات إعلامية وسياسية غربية يعكس أن هذا الملف لم يعد غائبا عن الأجندة الفكرية والاستراتيجية، وأن الزمن وحده لا يمنح الشرعية لأي وضع تاريخي مهما طال أمده، غير أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن المغرب لم يجعل من هذا الملف ذريعة للتصعيد، بل ظل متمسكا بمنهج دبلوماسي هادئ يقوم على الدفاع عن حقوقه التاريخية والقانونية في إطار الشرعية الدولية، وهو النهج نفسه الذي عزز صورة المملكة كدولة مسؤولة تفضل بناء التوازنات على صناعة الأزمات.
لقد أخطأ سانشيز في لحظة من الزمن الغافل عن الموضوعية، عندما اعتقد أن بإمكانه التقليل من الوزن الاستراتيجي للمملكة المغربية، أو التعامل مع التعاون المغربي باعتباره التزاما دائما لا يقابله احترام لمكانة المملكة ومصالحها، فالسياسة لا تدار بمنطق الحاجة الظرفية، وإنما بقراءة دقيقة لموازين القوة، وهذه القراءة تؤكد أن المغرب أصبح أحد الأعمدة الأساسية للأمن والاستقرار في غرب المتوسط، وأن أمن أوروبا الجنوبية يبدأ، قبل أي شيء آخر، من شراكة حقيقية مع الرباط قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
لقد أثبتت الوقائع أن المملكة المغربية لا تحرس حدود الآخرين، وإنما تحمي حدودها أولا، وتسهم في حماية الفضاء الإقليمي انطلاقا من مسؤوليتها كدولة ذات سيادة، وهذا هو الفارق الجوهري بين دولة تؤدي وظيفة مفروضة عليها، ودولة تمارس دورا جيوسياسيا اختارته بإرادتها، واستطاعت بفضل قوة مؤسساتها ورؤية قيادتها أن تفرض نفسها شريكا لا غنى عنه في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، ومن هنا، فإن الرسالة التي أفرزتها هذه الأزمة ليست أن المغرب استعرض قوته، بل إن الأحداث كشفت قوة كانت قائمة بالفعل، بينما كان بعض الساسة في مدريد يخطئون في تقديرها، والسياسة، في نهاية المطاف، لا تعاقب من يجهل الوقائع بقدر ما تعاقب من يسيء قراءتها.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *