أنوار يكتب: كيف بيعت الجزائر لعجل لمدريد؟

أنوار يكتب: كيف بيعت الجزائر لعجل لمدريد؟

 

 الدكتور أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

 

في السياسة، قد تكون المصادفات بريئة، لكنها نادرا ما تمنع الناس من طرح الأسئلة، فما إن عاد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من زيارته إلى الجزائر، حتى وجدت حكومته نفسها أمام واحدة من أكبر موجات الهجرة التي عرفتها مدينة سبتة في السنوات الأخيرة، سارعت مدريد إلى نفي أي علاقة بين الحدثين، لكن النفي وحده لا يوقف الجدل، ولا يمنع الرأي العام من الربط بين الوقائع وتوقيتها.

فإذا كانت الزيارة حققت بالفعل ما كانت تطمح إليه الحكومة الإسبانية، فلماذا جاءت بعدها مباشرة أزمة وضعت سانشيز تحت ضغط سياسي وإعلامي؟ ولماذا اضطر المسؤولون الإسبان إلى التأكيد مرارا على أن العلاقات مع المغرب ممتازة وأن التعاون الأمني والهجري مستمر؟ عادة، لا يكثر المسؤولون من النفي إلا عندما يدركون أن الأسئلة أصبحت أكبر من الإجابات، فهناك من يرى أن سانشيز حاول إرضاء الجزائر، لكنه عاد ليكتشف أن مصالح مدريد الحقيقية لا يمكن أن تستغني عن الرباط، وأن أمن سبتة والهجرة غير النظامية يمران أولا عبر التعاون المغربي الإسباني، ومن هذا المنظور، تبدو الزيارة وكأنها رهان سياسي لم يحقق المكاسب المنتظرة، بينما فرضت الوقائع العودة سريعا إلى التأكيد على متانة الشراكة مع المغرب، وهو ما أعاد إلى الواجهة ما يصفه أصحاب هذا الرأي بـ”لعنة الزيارات الجزائرية” وليس جديدا أن يردد البعض، على سبيل السخرية السياسية، أن كل مسؤول يبالغ في التعويل على الجزائر يجد نفسه بعد ذلك في مواجهة أزمة أو انتكاسة، قد يكون ذلك مجرد توصيف ساخر، لكنه يجد اليوم من يستحضره كلما تزامنت زيارة رسمية مع تطورات غير مواتية.
الحكومة الإسبانية تؤكد أن ما حدث في سبتة لا علاقة له بزيارة الجزائر، لكن في السياسة لا تُحسم المعارك بالنفي وحده، بل بالنتائج، والنتيجة التي يراها كثيرون هي أن سانشيز عاد من الجزائر ليجد نفسه أمام أزمة جديدة، فيما اضطرت حكومته إلى تجديد إشادتها بالتعاون المغربي ودوره في الحد من تدفقات الهجرة، لهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت الجزائر تسببت في أزمة سبتة، إذ لا توجد أدلة معلنة تثبت ذلك، وإنما ما إذا كانت الزيارة حققت أي مكسب سياسي يعادل الكلفة التي تحملتها حكومة سانشيز بعدها، وحتى يثبت العكس، سيبقى توقيت الأحداث كافيا ليغذي الجدل، ويمنح منتقدي الزيارة مادة للقول إن مدريد باعت الكثير من أجل رهان لم يحقق ما كان مأمولا منه، فالسياسة لا تقاس بالصور التذكارية، بل بحصيلة النتائج، والنتيجة التي يراها كثيرون اليوم أن سانشيز عاد من الجزائر ليواجه أزمة لم يكن يتمناها، بينما عاد المغرب ليؤكد، مرة أخرى، أنه الفاعل الذي لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن والهجرة بغرب المتوسط.
أخيرا، قد يختلف الناس في تفسير ما جرى، لكنهم يتفقون على أن التوقيت كان لافتا، وأن الجدل الذي أعقب الزيارة لم يكن وليد الخيال، بل وليد تسلسل أحداث فتح الباب أمام أسئلة مشروعة، وبين النفي الرسمي والتأويل السياسي، يبقى المؤكد أن زيارة الجزائر لم تُنهِ الجدل، بل كانت بداية فصل جديد منه، نهاية زمن الاشتراكية وبداية عهد اليمين المتطرف … نعم لقد بيع تبون لعجل لسانشيز.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *