الكلب الكازاخستاني للصيد (التازي) سلالة نادرة ورمز وطني
وحيد بنسعيد
️يُعد الكلب الكازاخستاني للصيد، المعروف باسم “تازي” (Tazy)، واحداً من أعرق سلالات الكلاب في العالم، وأحد الرموز الثقافية الوطنية في كازاخستان. يعود تاريخ أقدم النقوش الصخرية التي تصور هذا الكلب إلى العصر الحجري الحديث، حوالي 1200-1000 سنة قبل الميلاد، مما يجعله سلالة تعود جذورها إلى أكثر من أربعة آلاف عام.
في 3 سبتمبر، تحتفل كازاخستان للمرة الأولى بـيوم التازي الكازاخستاني. ولم يتم اختيار هذا التاريخ من قبيل الصدفة، ففي 3 سبتمبر 2024 تحديدًا، اتخذت الاتحاد الدولي لعلم الحيوان (FCI) قرارًا بشأن الاعتراف المبدئي بهذه السلالة الوطنية. وقد اتُّخذ القرار في أمستردام.
وقد تم اعتماد المعيار الدولي رقم 372 للتازي الكازاخستاني، كما تم الاعتراف رسميًا بكازاخستان باعتبارها بلد منشأ هذه السلالة.
وعاش التازي الكازاخستاني إلى جانب الإنسان لقرون في السهوب الكبرى، وكان يُستخدم في الصيد التقليدي، وأصبح جزءًا من ثقافة الشعب الكازاخستاني ونمط حياته. كما انعكست مكانته الخاصة في التقاليد الوطنية في المعيار الدولي للاتحاد، حيث يُشار إلى انتماء التازي إلى «جيتي قازينا» (Жеті қазына)، أي «كنوز الشعب الكازاخستاني السبعة».
وقد تكثفت خلال السنوات الأخيرة الجهود الرامية إلى الحفاظ على هذه السلالة والحصول على الاعتراف الدولي بها. وفي عام 2022، وجّه رئيس الدولة قاسم جومارت توكاييف باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على هذه السلالة الوطنية وتعزيز مكانتها على المستوى الدولي.

تشير الأدلة الأثرية إلى أن أسلاف التازي عاشت في أراضي كازاخستان منذ آلاف السنين. وقد كشفت التحليلات الجينية أن هذا الكلب يشترك في السلالة الجينية مع كلاب الصيد البصرية القديمة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مثل السلوقي (Saluki) والأفغاني (Afghan Hound)، لكنه سلالة مستقلة ومتميزة.
خلال العصر السوفييتي، تراجعت أعداد التازي بشكل كبير نتيجة التهجين العشوائي وإهمال السلالة. ففي عام 1983، انخفض عددها بنسبة 70%، ولم يتبقَّ سوى حوالي 3000 كلب. وحتى وقت قريب، كانت السلالة مهددة بالانقراض، حيث لم يتجاوز عدد الكلاب الأصيلة 300 كلب.
الخصائص الشكلية والجسدية
يتميز التازي بجسم مضغوط، وأطراف طويلة ورشيقة، مع وجود شعر زينة على الأذنين والذيل. وهو كلب أنيق ونظيف، وقد اشتهر بين البدو بنظافته حتى أثناء الأكل.
المواصفات القياسية:
· الارتفاع: الذكور 60-72 سم، والإناث 55-60 سم.
· الوزن: الذكور 32-35 كجم، والإناث 20-30 كجم.
· السرعة القصوى: تصل إلى 80 كيلومتراً في الساعة، مما يجعله من أسرع الكلاب في العالم.
يوجد نوعان من التازي: طويل الشعر وقصير الشعر، مع شيوع النوع طويل الشعر. اسم “تازي” في اللغة الكازاخستانية يعني “أملس” أو “قصير الشعر”.
مهارات الصيد والتدريب
التازي كلب صيد بالفطرة، يتمتع بغرائز طبيعية قوية تنتقل من الأم إلى الجراء. يعتمد في صيده على البصر بشكل أساسي لمطاردة الفريسة بسرعة خاطفة. تشمل طرائد التازي: الأرانب، الثعالب، الكورساك (نوع من الثعالب)، وأحياناً الظباء، كما يمكنه صيد الذئاب ولكن ضمن مجموعة.
طرق الصيد:
· الصيد الفردي أو ضمن مجموعة.
· التعاون مع الطيور الجارحة مثل النسر الذهبي (بيركوت)، حيث ينقض الطائر من الأعلى بينما يطارد الكلب الفريسة من الأسفل في تناغم بديع.
· تبدأ تدريبات الجراء بوضع جلود الذئاب بجانبها لتتعرف على رائحة العدو منذ البداية، ثم تصطحب في رحلات الصيد في سن 4-5 أشهر بعد فترة صيام قصيرة، وتُغذَّى على لحم الذئب.
المكانة الثقافية والاجتماعية
يحتل التازي مكانة خاصة في الثقافة الكازاخستانية، حيث يُعد واحداً من “الكنوز السبعة” (Zheti Kazyna) في التراث الكازاخي، إلى جانب الفرس، والصقر، والسيف، وغيرها من رموز الحياة البدوية.
كان البدو يقدسون هذا الكلب ويعاملونه كأحد أفراد الأسرة، فيُسمح له بدخول الخيمة (اليورت) والنوم بجانب أفراد الأسرة. وكان من المحظور ثقافياً وصف التازي بكلمة “كلب” فقط، تقديراً لمكانته الرفيعة.
تقول الحكمة الكازاخية القديمة: “كلب تازي واحد يمكنه إطعام عائلة بأكملها”. ففي أوقات المجاعة، كان الصيادون يعتمدون على التازي في توفير الغذاء لعائلاتهم وقبائلهم.
جهود الحفظ والاعتراف الدولي
في السنوات الأخيرة، بذلت الحكومة الكازاخستانية جهوداً كبيرة لحماية هذا الكنز الوطني:
· 1925: اعتماد أول معيار رسمي للسلالة.
· 2023: اعتراف مبدئي من الاتحاد الدولي للكلاب (FCI) بالسلالة.
· 2024: تأكيد كازاخستان كدولة حاملة للمعيار الرسمي للسلالة.
· 2025: حصول السلالة على براءة اختراع من المعهد الوطني للملكية الفكرية في كازاخستان.
تم تخصيص يوم 3 سبتمبر من كل عام كـ “يوم الكلاب الكازاخستانية”، للاحتفاء بسلالتي التازي والتوبيت (كلب الرعي الكازاخستاني).
أعداد السلالة حالياً:
تشير الإحصاءات الرسمية إلى تسجيل حوالي 4000 كلب تازي في سجل الكلاب الموحد لكازاخستان، مع ارتفاع ملحوظ في أعداد الجراء المسجلة من 93 جرواً عام 2023 إلى 411 جرواً عام 2025.
كما حظي التازي باهتمام دولي رفيع المستوى، حيث أهدى الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف كلبين من التازي إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويمتلك الرئيس الكازاخستاني شخصياً ثلاثة كلاب من هذه السلالة.
وفي عام 2023، تم وضع الإطار التشريعي اللازم، حيث جرى تحديد المسائل المتعلقة بمعيار السلالة، وشهادة المنشأ، والدعم الحكومي، والبحوث العلمية، وأعمال تربية السلالات.
وكان انضمام اتحاد علماء الكلاب في كازاخستان إلى الاتحاد الدولي لعلم الحيوان محطة مهمة في هذا المسار. ففي 22 أغسطس 2023، وخلال الجمعية العامة للاتحاد الدولي في جنيف، حصلت المنظمة الكازاخستانية على صفة عضو كامل العضوية في الاتحاد. وصوّت لصالح انضمامها 72 دولة من أصل 77 دولة شاركت في التصويت.
وبعد ذلك، حصلت كازاخستان على إمكانية تقديم سلالتها الوطنية رسميًا من أجل الاعتراف الدولي بها. وفي مارس 2024، أُحيل ملف التازي الكازاخستاني إلى الاتحاد الدولي، حيث جرى النظر فيه من قبل لجنة المعايير واللجنة العلمية التابعة للاتحاد.
وفي مايو من العام نفسه، أُقيم في أستانا معرض خاص مخصص لهذه السلالة، عُرض خلاله أمام الخبراء الدوليين 100 كلب من سلالة التازي الكازاخستاني، من أعمار وألوان وأصول وأنماط مختلفة. وقام خبراء الاتحاد الدولي بتقييم البنية الجسدية للكلاب وحركتها ومدى مطابقتها لمواصفات السلالة.
وبناءً على نتائج هذا العمل، اتخذ الاتحاد الدولي في 3 سبتمبر 2024 قرارًا بشأن الاعتراف المبدئي بالتازي الكازاخستاني.
وفي 20 فبراير 2026، أُقِرّ بقرار من حكومة كازاخستان الخطة الشاملة للحفاظ على سلالات الكلاب الكازاخستانية وتكاثرها للفترة 2026–2036. وستشارك في تنفيذها مؤسسات حكومية ومنظمات غير حكومية. وتتضمن الخطة إجراءات للحفاظ على السلالات وتكاثرها، وإدارة سجلات الأنساب، وإعداد المتخصصين، فضلًا عن مواصلة العمل العلمي والمتخصص في مجال تربية الكلاب.
وفي 30 أبريل 2026، استقبل رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف رئيس الاتحاد الدولي لعلم الحيوان تاماش ياكيل. وتركزت المباحثات على الحفاظ على السلالة الوطنية، وإنشاء مخزون جيني مستدام، ومواصلة التعاون مع الاتحاد الدولي. كما أعرب الرئيس عن شكره لتاماش ياكيل على دعمه في مسألة الاعتراف المبدئي بالتازي الكازاخستاني.
وهكذا، لا يمثل 3 سبتمبر مجرد تاريخ للاعتراف الدولي المبدئي بالتازي الكازاخستاني، بل يشكل أيضًا تذكيرًا بأهمية الحفاظ على هذه السلالة الوطنية ونقلها إلى الأجيال القادمة.




