آسفي العجل الهارب يفضح المستور وجشع الجزارين
أسفي
فرار عجل “برازيلي” من داخل المجزرة البلدية بآسفي واجتياحه الشوارع الرئيسية للمدينة ليس مجرد مقطع فيديو طريف تداولته منصات التواصل الاجتماعي، بل شكل “صاعقاً” أشعل نقاشاً عميقاً حول اختلالات بنيوية تؤثث المشهد الاستهلاكي المحلي. الحادثة، بما حملته من إثارة، كشفت النقاب عن واقع مقلق يعيشه قطاع اللحوم الحمراء على مستوى عاصمة دكالة-عبدة، حيث يتحول المستهلك البسيط إلى الحلقة الأضعف في معادلة تجارية يتحكم فيها فاعلون من خلف الكواليس.
تسائل الواقعة بالدرجة الأولى تلك الهوة السحيقة بين ثمن الاقتناء وسعر البيع النهائي. فاستيراد العولم، وخاصة القادم من أمريكا الجنوبية (البرازيل)، وُضع في الأساس كآلية حكومية لتخفيف الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم التموين بأسعار تنافسية لا تتجاوز في الكلفة الأولى حدود 60 درهماً للكيلوغرام.
لكن، وبشكل مثير للاستغراب، يجد المواطن السفيوي نفسه مضطراً لأداء ما يناهز 110 دراهم للكيلوغرام الواحد عند الجزار. هذا الفارق الشاسع يطرح سؤالاً ملحاً حول الأيادي الخفية التي تدير شبكات الوساطة والاحتكار؛ إذ يتساءل الرأي المحلي عن المستفيد الحقيقي من هذا الفارق الكبير، وهل يتعلق الأمر بـ”لوبيات” تتحكم في التوزيع في صمت تام، أم بفوضى تشريعية ورقابية تغيب عنها صرامة الردع؟
أبعد من الجانب المادي، تعيد الواقعة إلى الواجهة أزمة الشفافية المزمنة. فالمستهلك بآسفي يقتني لحوماً في أغلب الأحيان دون أدنى معطى يقين حول مصدرها الحقيقي، ودون تمييز واضح بين ما هو محلي أصيل وما هو مستورد، ناهيك عن غياب تام لمعايير الجودة والتسعير المعلن.
هذا الغموض يكرس سياسة “القطيع” في السوق، حيث يجد المواطن نفسه مجبراً على الخضوع لأمر واقع يفرضه بائعو التقسيط بدعوى ارتفاع تكاليف النقل والعلف والذبح، في حين تؤكد المعطيات الرسمية واللوجستية أن اللحوم المستوردة يفترض أن تنعكس إيجاباً وبشكل مباشر على سلة غذاء الأسر ذات الدخل المحدود.
لم تقتصر الصدمة على الأسعار، بل امتدت لتكشف عن هشاشة تدبيرية واضحة داخل المجزرة البلدية بآسفي. فنجاح حيوان في حجم عجل موجه للذبح في الإفلات من مرافق المراقبة واقتحام المجال الحضري المأهول بالسكان يعكس خللاً فادحاً في معايير الأمن والسلامة.
هذا التسيب يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل مراقبة دخول وخروج الذبائح تخضع لدفتر تحملات صارم؟ وهل غياب الحكامة الجيدة في تسيير هذه المرافق الحيوية يهدد سلامة صحة المستهلكين؟
إن عجل آسفي الهارب لم يكن سوى رسالة إنذار غير مبرمجة، فضحت مستور سوق تحكمه العشوائية والربح السريع على حساب القدرة الشرائية والصحة العامة. الواقعة تستدعي تدخلاً عاجلاً وحازماً من طرف الجهات الوصية والسلطات المحلية، لإجراء تحقيق شفاف يقطع دابر “الاقتصاد الموازي” للوساطة، ويفرض قواعد واضحة تحمي المستهلك السفيوي من براثن جشع لا يرحم.


