أنوار يكتب : من فاطمة الفهرية إلى فاطمة المنصورية
بقلم الدكتور أنوار قورية – باحث في الاعلام والسياسات الدولية
من فاطمة الفهرية، التي اختارت قبل أكثر من أحد عشر قرنا أن تجعل من مالها وإرادتها مشروعا للعلم والمعرفة، إلى فاطمة الزهراء المنصوري (فاطمة المنصورية)، التي انتقلت من تدبير الشأن المحلي بمدينة مراكش إلى مواقع متقدمة في المشهد السياسي الوطني، تبدو المرأة المغربية وكأنها تكتب، عبر الزمن، سيرة متواصلة من الحضور والتأثير، ففي سنة 859م تقريبا، ارتبط اسم فاطمة الفهرية بتأسيس جامع القرويين بمدينة فاس، الذي تحول مع مرور الزمن إلى أحد أبرز مراكز العلم والمعرفة في المملكة المغربية والعالم الإسلامي، ولم تكن دلالة هذه التجربة في البناء وحده، بل في الفكرة التي حملتها امرأة اختارت أن تجعل من ثروتها وسيلة لخدمة المجتمع، لتترك أثرا تجاوز زمنها وحدود مدينتها.
ولم يكن حضور المرأة المغربية في صناعة التاريخ حبيس مجال العلم والعمران، فقد ظهرت بصماتها في المقاومة والدفاع عن الوطن، وفي الحركة الوطنية، وفي العمل الاجتماعي والثقافي، وخلال مرحلة الكفاح الوطني ضد الاستعمار، شاركت النساء المغربيات في أشكال متعددة من النضال، كما شهدت أحداث وطنية بارزة حضورا نسائيا لافتا، وتوثق المصادر الرسمية، على سبيل المثال، مشاركة المرأة المراكشية في مظاهرة المشور سنة 1953، وتستحضر نموذج فاطمة الزهراء بنت مولاي الحسن البلغيتي التي اخترقت الأحزمة الأمنية وهي تحمل العلم الوطني وتهتف بحياة السلطان محمد بن يوسف، هي صفحات من التاريخ تؤكد أن المرأة لم تكن على هامش التحولات الكبرى التي عرفتها المملكة المغربية، بل كانت جزءا من مسارها الوطني، حاضرة في لحظات المقاومة والتضحية وبناء الدولة الحديثة، والمعلوم أنه مع تطور المجتمع المغربي، اتسعت مجالات حضور المرأة لتشمل التعليم والثقافة والإعلام والطب والقضاء والاقتصاد والعمل الجمعوي والسياسي، وأصبحت التجربة المغربية تزخر بأسماء نسائية تركت بصمات في مجالات مختلفة، ولم يعد السؤال متعلقا بقدرة المرأة على الحضور، بقدر ما أصبح مرتبطا بحجم المسؤوليات التي يمكن أن تضطلع بها داخل المؤسسات والمجتمع، وقد أشارت رسالة ملكية سامية موجهة إلى مؤتمر النساء رئيسات المقاولات العالمية إلى الدور الذي لعبته المرأة المغربية في الحركة الوطنية، وإلى حضورها المتزايد في الأحزاب والتنظيمات النقابية ومجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمل الجمعوي، وفي هذا السياق يبرز اسم فاطمة الزهراء المنصوري باعتباره امتدادا معاصرا لمسار طويل من الحضور النسائي المغربي في مواقع المسؤولية، فقد تولت رئاسة المجلس الجماعي لمراكش (عمدة)، ثم حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ثم حظيت بثقة المناضلين لتكون منسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وأمس الموافق ل 29 شتنبر 2026، عيّنها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وفق البلاغ الرسمي لوزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، حيث يضع هذا التطور اسم امرأة مغربية في موقع سياسي غير مسبوق في تاريخ البلاد، ويضيف فصلا جديدا إلى مسار المشاركة النسائية في تدبير الشأن العام.
وبين فاطمة الفهرية التي جعلت من المعرفة إرثا، والنساء المغربيات اللواتي حملن مسؤولية المقاومة والعمل الوطني، وصولا إلى فاطمة المنصورية في واجهة المسؤولية السياسية، تمتد حكاية المرأة المغربية كخيط متصل لا تقطعه الأزمنة ولا تتغير جوهرته بتغير المجالات، إنها حكاية امرأة كانت حاضرة حين كان المطلوب بناء مدرسة، وحاضرة حين كان الوطن في حاجة إلى مقاومة، وحاضرة اليوم في الإدارة والاقتصاد والسياسة ومختلف مجالات الحياة العامة، وبين الأمس واليوم، لا تبدو المسافة بين الفهرية بفاس والمنصوري بمراكش مجرد قرون تفصل بين امرأتين، وإنما مساحة تاريخية تختصر رحلة طويلة للمرأة المغربية من صناعة المعرفة إلى صناعة القرار، ومن ترك الأثر في المجتمع إلى المشاركة في رسم ملامح مستقبله.


