كوهن يكتب: ريادة استخباراتية داخلية وخارجية… عقدة الطابور الخامس

بقلم كوهن نسيم / الأمانة العامة – التكتل المغربي للترافع السيادي
ليست قوة الدول في عدد جيوشها فحسب، بل في كفاءة مؤسساتها وقدرتها على استباق المخاطر وصناعة الأمن قبل وقوع الأزمات، وإذا كانت المملكة المغربية قد نجحت خلال العقدين الأخيرين في ترسيخ صورتها كدولة مستقرة وسط محيط إقليمي مضطرب، فإن ذلك لم يكن وليد الصدفة، وإنما ثمرة رؤية ملكية متبصرة ومؤسسات أمنية واستخباراتية استطاعت أن تفرض نفسها كشريك موثوق على المستوى الدولي.
فمن بين أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بالتحول الأمني الذي تعيشه المملكة المغربية، يبرز كل من عبد اللطيف الحموشي وياسين المنصوري، باعتبارهما، في نظر الكثير من المتابعين، من أبرز رجال الدولة الذين يعملون بعيدا عن الأضواء، ويقودون منظومة أمنية واستخباراتية جعلت من المملكة نموذجا إقليميا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، فقد أثبتت الأجهزة الأمنية المغربية، خلال السنوات الماضية، قدرتها على تفكيك عشرات الخلايا المتطرفة قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما جنب المملكة مخاطر كانت ستكلفها أرواحا واستقرارا يصعب تعويضه، علاوة على أن العمل الأمني المغربي لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو ملاحقة المجرمين، بل أصبح يعتمد على تحليل المعلومات الاستخباراتية، والتكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والتعاون مع الشركاء الدوليين، في مواجهة الإرهاب والاتجار بالبشر والجرائم السيبرانية والشبكات العابرة للحدود، وهذا المستوى من الاحترافية لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكم طويل من العمل المؤسساتي، والتكوين، والانضباط، والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، الداخلية والخارجية، فعبد اللطيف الحموشي بوصفه مدير عاما لمدرسة الأمن الداخلي للمملكة المغربية، يراه الكثير من المراقبين، أحد أبرز الوجوه الأمنية في المنطقة، بعدما ارتبط اسمه بتطوير المقاربة الاستباقية، وتعزيز التنسيق بين المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الأمني مع عدد كبير من الدول، وقد انعكس هذا الحضور في الإشادة التي تلقتها المملكة المغربية من شركائها الأمنيين، وفي مساهمة المعلومات الاستخباراتية المغربية في إحباط مخططات إرهابية داخل المغرب وخارجه، بالحديث عن خارج المغرب، نستحضر منظومة المخابرات الخارجية الهادئة بقيادة مديرها العام ياسين المنصوري، والذي ظل يمثل نموذج رجل الاستخبارات الذي يعمل بعيدا عن الإعلام، حيث ارتبط اسمه بتطوير العمل الاستخباراتي الخارجي، وتعزيز حضور المملكة في الملفات الإقليمية والدولية، وتوفير المعلومات الاستراتيجية التي تخدم الأمن القومي والمصالح العليا لبلادنا، وفي صمت وهدوء المنصوري ياسين يمكننا الاستنتاج ان النجاح الحقيقي للأجهزة الاستخباراتية لا يقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بعدد الأزمات التي جرى تفاديها دون أن يعلم بها المواطن، وربما يكون هذا هو السبب الرئيسي وراء الهجمات المتتالية التي تستهدف هذين الرجلين المخلصين لوطنهما ولملكهما حفظه الله، فالمعهود والمتداول وحتى الطبيعي في نظر العديد، أن تصبح المؤسسات الناجحة محل نقاش وانتقاد، كما أن الشخصيات العامة قد تتعرض لحملات إعلامية أو سياسية من جهات تختلف معها أو تنتقد سياساتها، لكني أرى شخصيا، أن بعض هذه الحملات تتجاوز النقد المشروع إلى محاولات للتشكيك في المؤسسات الأمنية ورموزها، وهو ما أعتبره مساسا بصورة الدولة وهيبتها، فمن حق أي شخص أن ينتقد السياسات العمومية، لكن تحويل الأجهزة الأمنية إلى هدف لحملات التشهير، دون أدلة أو عبر معلومات مضللة، لا يخدم النقاش الديمقراطي، بل يفتح الباب أمام زعزعة الثقة في مؤسسات يعتبرها المغاربة إحدى ركائز استقرار الوطن وحماية المواطن…
فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تهزم فقط بالسلاح، بل قد تستهدف أيضا بالحرب الإعلامية، وبمحاولات ضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته، غير أن قوة المؤسسات تقاس بقدرتها على مواصلة أداء واجبها، بعيدا عن الضجيج، وبالالتزام بالقانون وخدمة الصالح العام.
إن المملكة المغربية اليوم، في نظري الشخصي، محظوظة بامتلاكها مؤسسات أمنية واستخباراتية استطاعت أن تفرض احترامها في المحافل الدولية، وأن تجعل من الأمن رافعة للاستقرار والتنمية، وسيظل رجال الدولة الحقيقيون يقاسون بما يحققونه من نتائج، لا بما يقال عنهم في الحملات الإعلامية أو السجالات السياسية، فالدول تبنى بالمؤسسات، وتحمى بالكفاءة، وتصان بالولاء للقانون والوطن، وليس بالشعارات أو محاولات النيل من ثقة المواطنين في أجهزتهم.

