ماذا لو أصبح المغرب أول مختبر إفريقي لإدارة ندرة المياه؟

ماذا لو أصبح المغرب أول مختبر إفريقي لإدارة ندرة المياه؟

 

ماذا لو توقفنا عن النظر إلى ندرة المياه في المغرب باعتبارها مجرد أزمة، وبدأنا ننظر إليها باعتبارها فرصة استراتيجية يمكن أن تجعل من المملكة المغربية نموذجاً إفريقياً في إدارة هذا المورد الحيوي؟ في اعتقادي، المغرب لا يحتاج فقط إلى البحث عن مصادر جديدة للمياه، بل يحتاج إلى بناء منظومة تجعل كل قطرة ماء تدخل في دورة متكاملة ولا تضيع قبل أن تستنفد قيمتها.

لقد قطع المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أشواطاً مهمة في مجال السدود وتحلية مياه البحر والطاقات المتجددة والبنية التحتية المائية. وهذه الأوراش تشكل أساساً قوياً للمستقبل، لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو كيف نربط بينها ضمن رؤية واحدة: الماء والطاقة والفلاحة والصناعة والبحث العلمي والتكنولوجيا.

فالماء الذي نبحث عنه اليوم ليس بالضرورة ماءً جديداً. أحياناً يكون الماء موجوداً، لكننا لا نستعمله بالطريقة الأكثر كفاءة. مياه الأمطار، المياه الجوفية، المياه العادمة المعالجة، مياه التحلية، وحتى المياه التي تضيع في شبكات التوزيع، كلها أجزاء من منظومة واحدة يجب أن نعرف كيف نديرها.

لماذا لا ننتقل مثلاً من فكرة استهلاك الماء إلى فكرة دورة الماء؟ ماء يُستعمل، ثم يُعالج، ثم يُعاد استعماله، ثم يعود إلى دورة اقتصادية جديدة. ولماذا لا نربط هذه الدورة بالطاقة المتجددة، بحيث تصبح تحلية المياه ومعالجتها أقل تكلفة وأكثر استدامة؟ ولماذا لا نستعمل الذكاء الاصطناعي والبيانات لمراقبة الموارد المائية والتنبؤ بمستويات الاستهلاك والاستنزاف قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة؟

وفي الفلاحة، ربما يجب أن نغيّر أيضاً طريقة قياس النجاح. ليس السؤال فقط: كم ننتج من الهكتار؟ بل سؤال أكثر أهمية: كم قيمة اقتصادية نستطيع إنتاجها من كل متر مكعب من الماء؟ عندما يصبح هذا المؤشر جزءاً من التفكير الفلاحي، سنكون أمام نموذج جديد يقوم على إنتاج أكثر بماء أقل، واختيار المحاصيل والتقنيات وفقاً للموارد المتاحة وليس فقط وفقاً للطلب الاقتصادي.

وهنا يمكن أن يتحول التحدي المغربي إلى فرصة إفريقية. فالدول التي ستواجه ندرة المياه في السنوات المقبلة لن تبحث فقط عن السدود أو محطات التحلية، بل ستبحث عن المعرفة والخبرة والحلول المتكاملة. والمغرب لديه فرصة حقيقية لكي لا يكون مجرد مستهلك لهذه التكنولوجيا، بل أن يصبح مطوراً للحلول ومصدراً للخبرة.

تخيلوا أن يصبح المغرب مركزاً إفريقياً للبحث والتكوين والابتكار في مجال المياه؛ يأتي إليه الباحث والمهندس والفلاح والمستثمر الإفريقي للتعلم وتطوير حلول تناسب بلده. عندها لن نتحدث فقط عن مواجهة ندرة المياه، بل عن خلق قطاع اقتصادي جديد قائم على المعرفة والتكنولوجيا والخبرة المغربية.

وهذا، في رأيي، هو الطموح الذي يجب أن نضعه أمامنا: أن يتحول المغرب من بلد يواجه ندرة المياه إلى بلد يصنع حلول ندرة المياه.

إن الرؤية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله أعطت للمغرب أساساً مهماً للتحرك، وما نحتاج إليه اليوم هو مواصلة البناء، وربط المشاريع والخبرات، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وإعطاء المهندس والباحث والشباب المغربي مساحة أكبر للمشاركة في صناعة الحلول.

لأن المستقبل لن يسأل فقط: كم من الماء يملك المغرب؟ بل سيسأل: كيف يدير المغرب الماء الذي يملكه؟

وهنا ربما تكون الإجابة هي الفرصة الأكبر: أن نجعل من ندرة المياه مدرسة مغربية للابتكار، ومن هذه المدرسة نموذجاً تستفيد منه إفريقيا والعالم.

لماذا لا نجعل من أكبر تحدياتنا أكبر فرصة لنا؟

علي تستاوت

خبير في الهندسة المدنية و البناء
باحث في التنمية المستدامة
مدير مكتب للدراسات و الأبحاث
مستشار استراتيجي سابق بالهيئة الدولية للدبلوماسية الموازية
مستشار استراتيجي في عدة مؤسسات ببلجيكا

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *