العاملات المنزليات بالمغرب.. حقوق لا ينبغي أن تبقى حبراً على ورق

العاملات المنزليات بالمغرب.. حقوق لا ينبغي أن تبقى حبراً على ورق

 

 

 


بقلم : أمين الحميدي

ليست قضية العاملات المنزليات مجرد ملف اجتماعي مرتبط بظروف الشغل، بل هي قضية كرامة إنسانية و عدالة اجتماعية، و اختبار حقيقي لمدى قدرة التشريعات على حماية فئة ظلت لسنوات طويلة تشتغل في ظروف صعبة، و تقدم تضحيات يومية في صمت، دون أن تنال دائماً ما تستحقه من اعتراف و إنصاف و حماية.

فالعاملات المنزليات لسن مجرد أيدٍ عاملة تؤدي مهاماً داخل البيوت، بل نساء يتحملن مسؤوليات جسيمة، و يبذلن جهوداً بدنية و نفسية متواصلة، و يساهمن في ضمان استقرار الحياة الأسرية و تمكين أفرادها من ممارسة التزاماتهم اليومية و المهنية. و مع ذلك، لا تزال هذه الفئة تواجه تحديات مرتبطة بظروف العمل، و ضمان الحقوق، و الحماية الاجتماعية، فضلاً عن صعوبة الدفاع عن مصالحها في ظل الهشاشة الاجتماعية و الاقتصادية التي قد تعيشها بعض العاملات.

**لقد حان الوقت للاعتراف بما تقدمه العاملات المنزليات من تضحيات، و إنصافهن بما يستحققنه من حقوق، و وضع حد لكل أشكال التهميش و الاستغلال.** فلا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية في الوقت الذي تظل فيه فئة من النساء في حاجة إلى النضال المستمر من أجل حقوق أساسية يفترض أن يكفلها القانون، و لا يمكن أن يظل العمل المنزلي بعيداً عن التقدير الذي يستحقه باعتباره عملاً له قيمته و مسؤولياته و مساهمته في المجتمع.

و في هذا السياق، يشكل القانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط الشغل و التشغيل المتعلقة بالعاملات و العمال المنزليين خطوة مهمة في اتجاه تنظيم هذا القطاع و إرساء ضمانات قانونية لحماية العاملات و العمال المنزليين. غير أن صدور القانون، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق الإنصاف ما لم يقترن بتنزيل فعلي لمقتضياته، و تفعيل آليات المراقبة و التتبع، و ضمان احترام الحقوق على أرض الواقع.

و من هنا، تبرز ضرورة عدم الاستمرار في تأخير استكمال تنزيل النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيل الحماية القانونية، و التعجيل بكل التدابير التي تجعل الحقوق المقررة قانوناً قابلة للممارسة الفعلية**. فكل تأخير في توفير آليات الحماية و التطبيق ينعكس على واقع العاملات، و يطيل أمد معاناة فئات تحتاج إلى الإنصاف اليوم، لا إلى وعود مؤجلة.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من الاعتراف النظري بحقوق العاملات المنزليات إلى ضمانها عملياً، من خلال احترام الأجر و ساعات العمل و الراحة الأسبوعية و العطلة السنوية، و تعزيز التغطية و الحماية الاجتماعية وفق التشريعات الجاري بها العمل، و تيسير الولوج إلى العدالة، و التصدي لكل الممارسات التي تمس الكرامة الإنسانية أو تستغل الحاجة إلى العمل.

كما أن مسؤولية حماية هذه الفئة لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تشمل المشغلين و المجتمع بمختلف مكوناته. فاحترام حقوق العاملات المنزليات ليس منّة من أحد، و إنما التزام قانوني و أخلاقي، يعكس مدى ترسخ قيم التضامن و المساواة و الإنصاف في المجتمع. و من الضروري أيضاً تعزيز الوعي بحقوق العاملات و واجبات المشغلين، حتى لا تبقى الحماية القانونية مجرد نصوص يصعب على المعنيات بها الاستفادة منها.

و في خضم هذه التحديات، تبرز أهمية العمل النقابي باعتباره فضاءً للتنظيم و الترافع و الدفاع عن الحقوق المشروعة. و يأتي تأسيس المكتب النقابي للمنظمة الديمقراطية للعاملات المنزليات استجابة لحاجة هذه الفئة إلى إطار نقابي ينقل صوتها، و يعبّر عن انشغالاتها، و يسعى إلى رفع الحيف عنها، و تعزيز حضورها في النقاش الاجتماعي و المؤسساتي.

إن هذا الإطار النقابي لا يقتصر دوره على رصد الاختلالات، بل يضطلع بمهمة الترافع من أجل تحسين ظروف العمل، و التعريف بالمقتضيات القانونية، و مواكبة العاملات في الدفاع عن حقوقهن، و فتح قنوات الحوار مع الجهات المعنية من أجل تحويل المطالب المشروعة إلى إجراءات ملموسة. كما أن التنظيم النقابي يشكل وسيلة لتجاوز العزلة التي قد تواجهها العاملة المنزلية، و تعزيز قدرتها على المطالبة بحقوقها بصورة جماعية و مسؤولة.

و من هذا المنطلق، فإن دعم المكتب النقابي للمنظمة الديمقراطية للعاملات المنزليات و الإنصات إلى مطالبه يشكلان جزءاً من مسار أوسع يروم بناء علاقات شغل أكثر عدلاً، و ترسيخ ثقافة احترام العمل المنزلي، و تحصين حقوق العاملات من كل أشكال الهشاشة و الإقصاء.

كفى تهميشاً، وكفى تأجيلاً لحقوق العاملات المنزليات. لقد حان الوقت لتتحمل الجهات المعنية مسؤولياتها كاملة، و أن يصبح تفعيل القانون رقم 19.12 و تنزيل مقتضياته التنظيمية أولوية حقيقية، لا ملفاً مؤجلاً. فالإنصاف لا يتحقق بمجرد الاعتراف بوجود الاختلالات، و إنما باتخاذ قرارات و إجراءات واضحة تضمن الحماية القانونية و الاجتماعية، و تصون كرامة العاملات، و تعترف بما يقدمنه من تضحيات في صمت.

إن العاملات المنزليات لا يطالبن بامتيازات استثنائية، بل بحقوق مشروعة و ضمانات تحفظ كرامتهن و تؤمن لهن شروط العمل اللائق. و من واجب الدولة و المؤسسات و المجتمع أن يجعلوا من هذه المطالب مدخلاً لتعزيز العدالة الاجتماعية، و الحد من الهشاشة، و تكريس مبدأ المساواة أمام القانون.

إن صوت العاملات المنزليات يجب أن يُسمع، و حقوقهن يجب أن تُصان، و نضالهن من أجل الكرامة يستحق الاعتراف و الدعم. و سيظل المكتب النقابي للمنظمة الديمقراطية للعاملات المنزليات إطاراً للترافع عن هذه المطالب، من أجل أن ينتقل القانون من صفحات النصوص إلى واقع الممارسة، و أن يتحول الاعتراف بتضحيات هذه الفئة إلى إنصاف حقيقي، و تصبح الكرامة و الحماية و العدالة حقوقاً مضمونة لكل عاملة منزلية.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *