السيدة المحترمة رئيسة الحكومة …حين يُهان السجاد الأحمر… في حضرة البروتوكول

وحيد بنسعيد
في عالم الدبلوماسية، ليس السجاد الأحمر مجرد قطعة قماش تُفرش على الأرض، بل هو لغة صامتة تتحدث قبل أن ينطق أحد. إنه رمز عالمي متعارف عليه يحدد من يستحق التكريم الرسمي، ومن يحق له أن يطأه بصفته الرسمية. وحين يُختل هذا التوازن الدقيق، فإن ما يهتز ليس البروتوكول فحسب، بل هيبة الدولة نفسها.
في تدوينة خاصة لفت من خلالها وحيد بنسعيد رئيس مرصد الاعلام وحرية التعبير انتباه السيدة رئيسة الحكومة الى مشهد مثير للجدل: مستشارون برئاسة الحكومة، لا يتصفون بأي صفة حكومية أو دبلوماسية أو برلمانية ، يتبعون السيدة رئيسة الحكومة على السجاد الأحمر في مناسبة رسمية،(تمثيل صاحب الجلالة بروسيا) وكأنهم جزء أصيل من الوفد الرسمي للدولة.
هذا السلوك، الذي قد يبدو للبعض تفصيلاً بسيطاً، هو في حقيقته خرق صارخ للأعراف الدبلوماسية التي راكمها المغرب عبر عقود من الاحترافية في التعامل مع المراسم الرسمية.
وقد يتساءل البعض: وما الضرر في أن يسير مستشار إلى جانب رئيسة الحكومة؟ والجواب أن البروتوكول الدبلوماسي ليس ترفاً ولا برجوازية شكلية، بل هو نظام دقيق يحمي مكانة الدولة ويمنع الفوضى في التمثيل الرسمي. فالسجاد الأحمر يُفرش لرئيس الحكومة بصفته الرسمية، وللوزراء المعتمدين، وللسفراء وأصحاب الصفة الدبلوماسية. أما المستشارون، مهما بلغت مكانتهم العلمية أو قربهم من المسؤول، فهم في نظر القانون الدبلوماسي موظفون إداريون لا يمتلكون صفة تمثيلية للدولة.
وحين يتجاوز مستشار حدود موقعه ليجد نفسه في مقدمة المشهد الرسمي، فإنه لا يسيء فقط إلى الأعراف، بل يخلق ارتباكاً في ترتيب الأولويات والبروتوكول، وقد يُفسَّر ذلك من قبل الضيوف الأجانب على أنه خلل في التنظيم، أو أسوأ من ذلك: تجاوز في الصلاحيات لا يعكس حقيقة الهيكلة الحكومية.
إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس المشهد في حد ذاته، بل ما يرمز إليه. فالدولة الحديثة تُبنى على مؤسسات، لا على أشخاص.
وحين يصبح القرب من المسؤول معياراً للتمثيل الرسمي بدل الصفة القانونية المعتمدة، فإننا نكون أمام خلط خطير بين الولاء الشخصي والمسؤولية المؤسسية.
وهذا الخلط، إذا استشرى، يفتح الباب أمام ممارسات لا تخضع لأي رقابة، ويُضعف مبدأ المساءلة الذي يُفترض أن يحكم العمل الحكومي.
وفي هذا المقام، لا يمكن تحميل المسؤولية للمستشارين وحدهم، مهما كان سلوكهم مستهجناً. فالمسؤولية الأولى تقع على عاتق السيدة رئيسة الحكومة، فهي صاحبة الصفة الرسمية التي يجب أن تُصان، وهي المسؤولة عن تحديد من يمثلها ومن يرافقها، وعن ضبط حدود الوفد الرسمي الذي يتبعها.
إن تجاهل هذا الأمر من شأنه أن يُضعف من مكانتها الرسمية نفسها، ويجعل هيبتها رهينة لسلوك أشخاص لا يتمتعون بأي صفة قانونية تبرر وجودهم في تلك المواقع.
إن رئيسة الحكومة، بحكم منصبها، ليست مسؤولة فقط عن تسيير الشأن الحكومي، بل هي أيضاً حارسة على صورة الدولة في المحافل الرسمية.
وحين يُترك البروتوكول للاجتهادات الشخصية، فإن الصورة التي تصل إلى الرأي العام، وإلى الدوائر ولفت الانتباه المطلوب من خلاله ليس محاسبة أحد أو تجريحه، بل إعادة الأمور إلى نصابها: البروتوكول يُحترم، والصفة الرسمية هي المعيار، والمستشار يبقى في موقعه الاستشاري، لا في موقع التمثيل الرسمي للدولة.

