تسليع المقدّس وتهجير السيادة قراءة موجزة في تسجيل الطريقة القادرية البودشيشية علامة تجارية في أوروبا

بقلم: عبد الفتاح العقيلي
أستاذ جامعي
التصوف: قاطرة الدين في المغرب
شكّل التصوف المغربي، عبر قرون متعاقبة، قاطرة الحياة الدينية في المملكة، وركيزة أساسية من ركائز الأمن الروحي الذي تسهر عليه مؤسسة إمارة المؤمنين. وقد ارتبطت الزوايا الصوفية بوظيفتها التزكوية والتربوية، في انسجام عميق مع القيم الأخلاقية للإسلام المغربي، متجاوزة كل منطق ربحي أو احتكاري.
ويكفي استحضار دور الزاوية الناصرية في تامكروت، أو الزاوية التيجانية في فاس، للتدليل على عمق هذا الارتباط بين التصوف والهوية الوطنية. فالزاوية في المغرب لم تكن يوماً مؤسسة منعزلة، بل كانت فضاءً للتربية والإشعاع الروحي، تحت مظلة إمارة المؤمنين التي تضمن وحدة الحقل الديني واستقراره.
الطريقة القادرية البودشيشية: عقود من البناء الروحي
في هذا السياق، عرفت الطريقة القادرية البودشيشية عملاً دؤوباً ومتواصلاً على يد مشايخها الكبار. فقد أسّس سيدي بومدين قواعد الطريقة، وأرسى دعائمها الروحية والتنظيمية، ثم جاء سيدي الحاج العباس فعمّق أثرها، وأحكم بنيانها التربوي، ليواصل مسيرة التزكية والإشعاع بتفانٍ واقتدار. ثم كان المنعطف الكبير مع سيدي حمزة رحمه الله، الذي نقل الطريقة إلى آفاق عالمية غير مسبوقة؛ فبفضل جهوده الدعوية الهائلة وإشعاعه الروحي الاستثنائي، أصبح للطريقة آلاف المريدين المعروفين موزعين على القارات الخمس، من أوروبا وأمريكا إلى آسيا وأفريقيا. وباتت الزاوية في مداغ قبلة للباحثين عن الله من كل الأعراق والثقافات. وبعد وفاته، واصل سيدي جمال رحمه الله المسيرة بإخلاص وتفانٍ، محافظاً على ما بناه الأسلاف.
سيدي منير: تبديد الإرث
غير أن سيدي منير، عوض أن يكون أميناً على هذا الإرث الروحي العظيم الذي بناه هؤلاء المشايخ الأجلاء عبر عقود من الجهد والتضحية، اختار مساراً مغايراً يقوم على تبديد ما بناه الأسلاف.
فبدل الحفاظ على وحدة الطريقة، والامتثال لقرار أمير المؤمنين الذي حسم مسألة المشيخة بتعيين سيدي معاذ شيخاً شرعياً للطريقة، اتجه محيط سيدي منير إلى خطوات تطرح تساؤلات مشروعة حول نيّة تفتيت الطريقة، وتهريب فروعها خارج نطاق السيادة المغربية. وهو بذلك لا يبدّد فقط إرثاً روحياً جماعياً، بل يضرب في الصميم مبدأ الإذعان لإمارة المؤمنين، الذي هو أساس التصوف المغربي منذ قرون.
التسجيل في أوروبا: مناورة لمواجهة القرار السيادي
وأخطر تجليات هذا المسار هو تسجيل اسم «الطريقة القادرية البودشيشية» كعلامة تجارية في فرنسا، وطلبات مماثلة في بريطانيا وإسبانيا… وهذا التسجيل ليس بريئاً، ولا عرضياً بأي حال من الأحوال؛ فقد تمّ بعد تعيين سيدي معاذ مباشرة من طرف جلالة الملك، مما يكشف أنه ردّ فعل مباشر على الحسم السيادي، وليس إجراءً وقائياً كما قد يُدّعى.
والرسالة واضحة: «إذا فقدنا الزاوية في مداغ، فسنحتجز الاسم في أوروبا». والأدهى أن هذا التسجيل تمّ لحساب «جمعية في طور التأسيس» — أي كيان قانوني غير موجود أصلاً — من طرف أفراد من محيط منير، دون أي تنسيق مع المشيخة الشرعية، ولا مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
فكيف يمكن لجمعية لم تولد بعد أن تمتلك اسم طريقة عمرها قرون؟
كما أن التصنيف المختار يتضمن صراحة «خدمات ألعاب المال» (jeux d’argent)، وهو إدراج واعٍ ومتعمّد — لا يمكن تفسيره بخطأ تقني — يربط اسم طريقة صوفية عريقة بأنشطة القمار في وثيقة رسمية أوروبية. وهذا وحده يشكّل إهانة رمزية لآلاف المريدين، لا يمكن تبريرها بأي منطق.
إن الهدف الحقيقي من هذه المناورة هو خلق واقع قانوني أوروبي يمكّن محيط منير من:
• منع مشيخة سيدي معاذ من استعمال اسم الطريقة في أوروبا بشكل قانوني
• إدارة فروع موازية خارج سلطة إمارة المؤمنين
• خلق «شرعية قانونية أوروبية» في مواجهة الشرعية الدينية المغربية
• استخدام هذه الكيانات كأوراق ضغط وابتزاز في أي مفاوضات مستقبلية.
وبعبارة أخرى: ما يبدو «تسجيلاً تجارياً» هو في حقيقته مشروع انشقاق مؤسسي، مغلّف بغطاء قانوني.
المسؤولية الفكرية وإشكال الصمت
والأشدّ خطورة في هذا المشهد هو موقف عدد من العلماء وأطر الدولة المنتسبين إلى الطريقة، ممن يعرفون جيداً أن أمير المؤمنين قد حسم مسألة المشيخة بتعيين سيدي معاذ. فرغم علمهم بهذا القرار السيادي، يواصل هؤلاء السير خلف سيدي منير في تصعيده الذي لا يبدو أن له أفقاً، غير مدركين أن ما يفعلونه لم يعد مجرد خلاف حول المشيخة. فحين يرفضون قرار أمير المؤمنين، ويساندون من يهرّب الطريقة خارج السيادة المغربية ويسجّل اسمها كملكية خاصة في سجلات أجنبية، ألا يشكّل ذلك، في جوهره، خروجاً عن إمارة المؤمنين ومؤسسات الدولة؟
إن هؤلاء، بحكم مواقعهم كأطر في الدولة ووجوه بارزة في الحقل الديني، يتحملون مسؤولية مضاعفة: فالموقع الاعتباري يفرض الحد الأدنى من الشفافية والبصيرة.
خاتمة
إن ما يجري ليس خلافاً عائلياً على إرث، بل هو محاولة موثّقة للالتفاف على قرار سيادي صادر عن أمير المؤمنين، وتحويل إرث روحي جماعي بناه مشايخ أفذاذ عبر عقود إلى ملكية خاصة في يد من رفضوا القرار الملكي.
والتجارب المقارنة — من الهند إلى تركيا — تُظهر أن التأخر في التحرك يحوّل الأمر الواقع إلى وضع قانوني يصعب التراجع عنه.
إن الدفاع عن الزاوية هو دفاع عن أمرين لا ينفصلان:
• سيادة إمارة المؤمنين على الشأن الروحي للمملكة أينما امتد
• وحق سيدي معاذ — الشيخ الشرعي المعيّن — في ممارسة مهامه دون أن يجد اسم طريقته محتجزاً في سجلات تجارية أجنبية باسم من رفضوا قرار تعيينه.
فهل ستتحرك الدولة قبل فوات الأوان؟

