أنوار يكتب: حين يعجز وليد الغير العاقل عن مجاراة الإنجاز المغربي يستنجد بالميكروفون… لم يسكت دهرا ولكنه نطق عهرا وليس كفرا

أنوار يكتب: حين يعجز وليد الغير العاقل عن مجاراة الإنجاز المغربي يستنجد بالميكروفون… لم يسكت دهرا ولكنه نطق عهرا وليس كفرا

 

 

بقلم الدكتور أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

 

ليست أخطر أزمات الإعلام أن يخطئ في نقل الخبر، بل أن يتخلى بإرادته عن رسالته، فيتحول من سلطة رقابية إلى جهاز لتدوير الأحقاد، ومن منصة للتحليل إلى مسرح لإعادة إنتاج خطاب سياسي فقد قدرته على إقناع الناس، وعندما تتحول بعض استوديوهات التحليل الرياضي في الإعلام الرسمي الجزائري إلى فضاءات تستضيف لغة التشهير أكثر مما تستضيف لغة المعرفة، فإن الأزمة لا تعود أزمة أفراد، وإنما أزمة تصور كامل لوظيفة الإعلام، فالمحلل الرياضي الذي يعجز عن قراءة الخطة التكتيكية، فيستعيض عنها بتوزيع الاتهامات والتهجم على دولة وشعب، لا يدافع عن الرياضة، بل يعلن إفلاسا مهنيا لا يمكن إخفاؤه خلف ارتفاع نبرة الصوت أو كثافة الشعارات.
لقد أصبح من اللافت أن اسم المملكة المغربية يحضر في بعض تلك المنابر أكثر مما تحضر ملفات تطوير الكرة الجزائرية نفسها، وكأن النجاح المغربي تحول إلى هاجس يومي يفرض نفسه على الخطاب الإعلامي حتى في القضايا التي لا تمت إليه بصلة، وهذه ليست علامة ثقة، بل مؤشر على أن الإنجاز الحقيقي يصنع لدى خصومه حالة انشغال مستمرة لا تستطيع غرف التحرير إخفاءها، فالمنتخب الذي يفرض حضوره في أكبر المحافل الدولية لا يحتاج إلى حملات دعائية، لأن الملعب يتحدث عنه، بينما يظل من يعجز عن منافسته يبحث عن انتصار لفظي يعوض به عجزا لا تستطيع الكاميرات إخفاءه.

إن الإعلام المحترف يناقش الوقائع، أما الإعلام الذي يعيش أسير التعليمات فيناقش الخصوم، الأول يقيس نجاحه بقدرته على إقناع المشاهد، والثاني يقيسه بمدى التزامه بالنصوص الجاهزة، ولذلك لا غرابة أن تتحول بعض حلقات التحليل الرياضي إلى نشرات سياسية مقنعة، حيث تغيب الأرقام وتحضر العبارات الإنشائية، ويختفي النقاش الفني لتحل محله لغة الاستفزاز والتلميحات العدائية، وعندما يصبح الميكروفون مجرد صدى لخطاب رسمي، فإنه يفقد صفته الإعلامية، ويصبح أداة لترديد المواقف لا لصناعة الرأي الحر.

والمفارقة التي يصعب تجاهلها أن الحملات المتكررة ضد المغرب لم تنجح يوما في حجب حقيقة واحدة، وهي أن المكانة تبنى بالعمل لا بالصراخ، وبالاستثمار لا بالاتهام، وبالتخطيط لا بالانفعال، فالإنجازات الرياضية والدبلوماسية والتنموية لا تلغيها نشرات غاضبة ولا منابر متشنجة، لأنها قامت على تراكمات واقعية يعترف بها العالم قبل أن يعترف بها أصحابها، ولهذا فإن الإصرار على مهاجمة المغرب في كل مناسبة لا يكشف شيئا عن المغرب بقدر ما يكشف حجم القلق الذي يثيره حضوره المتصاعد في محيطه الإقليمي والدولي.

إن احترام الذكاء الجماعي للمشاهد يقتضي تقديم تحليل يشرح أسباب الفوز والهزيمة، لا اختراع خصوم دائمين للهروب من الأسئلة الصعبة، فالجماهير لا تنتظر من الإعلام أن يلقنها من تكره، وإنما أن يساعدها على فهم ما يجري، أما تحويل الرياضة إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية، فهو إضرار بالرياضة أولا، وإساءة للإعلام ثانيا، واستخفاف بعقول المتابعين ثالثا. والتاريخ الإعلامي يعلمنا أن المؤسسات التي تجعل من الكراهية مادة يومية لا تنجح في صناعة وعي، بل تنجح فقط في استهلاك ما تبقى من رصيدها المهني.

ستظل المملكة المغربية، كغيرها من الدول، عرضة للنقد المشروع، وسيظل من حق أي إعلامي أن يناقش سياساتها أو أداء منتخباتها متى استند إلى الوقائع واحترم أخلاقيات المهنة. لكن الفرق شاسع بين النقد المسؤول وبين حملات منظمة تفرغ الإعلام من معناه وتحوله إلى مرآة للخصومة بدل أن يكون مرآة للحقيقة، فالضجيج قد يملأ الاستوديوهات لساعات، لكنه لا يغير نتائج المباريات، ولا يمحو الإنجازات، ولا يعيد كتابة الوقائع، وفي نهاية المطاف، يبقى التاريخ وفيا لقاعدة بسيطة، الأوطان تقاس بما تبنيه، والإعلام يقاس بما يضيفه للعقل، لا بما يستهلكه من صخب.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *