المتقاعدون بين استحقاق الإنصاف و واقع الإقصاء.. متى يصبح الحوار الاجتماعي أكثر عدالة؟
بقلم: أمين الحميدي
فاعل جمعوي و نقابي
في كل مرة يُفتح فيها ملف الحوار الاجتماعي، تتجه الأنظار إلى الأجراء و الموظفين النشيطين، و تُعلن إجراءات لتحسين الدخل و الرفع من القدرة الشرائية، بينما تظل فئة واسعة من المتقاعدين، مدنيين و عسكريين، خارج دائرة الاهتمام المباشر، و كأن انتهاء المسار المهني يعني انتهاء حق المواطن في الاستفادة من ثمار السياسات الاجتماعية.
إن هذه المقاربة تحتاج اليوم إلى مراجعة جادة و مسؤولة. فالمتقاعد ليس مواطناً من درجة ثانية، و ليس رقماً انتهت صلاحيته بمجرد مغادرته الوظيفة. إنه إنسان أفنى سنوات من عمره في خدمة الإدارة و المرفق العمومي و الوطن، و ساهم طوال عقود في بناء الاقتصاد الوطني و تمويل صناديق التقاعد، قبل أن يجد نفسه أمام معاش ثابت في مواجهة أسعار متحركة و تكاليف معيشة لا تتوقف عن الارتفاع.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: **كيف يمكن الحديث عن تحسين القدرة الشرائية و العدالة الاجتماعية، في الوقت الذي تظل فيه فئة المتقاعدين عاجزة عن الاستفادة من جزء من الإجراءات التي يتم التفاوض بشأنها في إطار الحوار الاجتماعي؟**
الحكومة المغربية جعلت من الحوار الاجتماعي ورشاً مؤسسياً، و عقدت جولات مركزية مع النقابات الأكثر تمثيلية، كان آخرها جولة أبريل 2026 التي خصصت لتقييم حصيلة الاتفاقات الاجتماعية و تعزيز الالتزامات المشتركة. و هذا التطور مهم، لكنه يطرح في المقابل ضرورة توسيع زاوية النظر إلى الفئات التي تتأثر مباشرة بالسياسات الاجتماعية، وفي مقدمتها المتقاعدون.
– المتقاعدون ليسوا خارج المجتمع
المتقاعد المدني أو العسكري لا يعيش في جزيرة معزولة عن الواقع الاقتصادي. عندما ترتفع أسعار المواد الغذائية، و تكاليف العلاج، و السكن، و النقل، و الطاقة و الخدمات الأساسية، فإن تأثير ذلك يصل إليه كما يصل إلى الموظف و العامل.
بل إن بعض المتقاعدين يواجهون أعباء إضافية مرتبطة بالتقدم في السن و الحاجة المتزايدة إلى العلاج و الأدوية و الرعاية، في وقت تظل فيه مداخيلهم محددة في معاش غالباً ما لا يواكب التحولات المتسارعة في تكاليف الحياة.
و من هنا، فإن استمرار التعامل مع المعاش باعتباره دخلاً ثابتاً لا يتأثر بالتضخم و غلاء المعيشة، هو تصور يحتاج إلى مراجعة.
*” المتقاعد لا يطلب امتيازاً، و إنما يطالب بالإنصاف.*”
– العسكريون المتقاعدون.. ذاكرة وطنية تستحق التقدير
و تكتسي وضعية المتقاعدين العسكريين خصوصية أكبر، بالنظر إلى طبيعة المهام التي أدّوها و السنوات التي قضوها في خدمة الوطن، و ما ارتبط بها من مسؤوليات و تضحيات و ظروف عمل استثنائية.
و من غير المنصف أن ينظر إلى المتقاعد العسكري فقط باعتباره مستفيداً من معاش، دون استحضار المسار الذي أوصله إليه، و التضحيات التي قدمها خلال سنوات الخدمة.
إن تكريم هذه الفئة لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات و الخطابات، بل يجب أن يترجم أيضاً إلى سياسات اجتماعية و اقتصادية تضمن لها العيش الكريم.
– المطلوب: تعديل فلسفة الاستفادة من الحوار الاجتماعي
لا يتعلق الأمر بالضرورة بإدماج المتقاعدين في كل تفاصيل المفاوضات النقابية، و إنما بإعادة النظر في **البند أو الآلية التي تجعل نتائج الحوار الاجتماعي محصورة في فئات دون أخرى، رغم أن القرارات الاجتماعية و الاقتصادية التي تُتخذ تؤثر في الجميع**.
فإذا كانت الحكومة و النقابات الأكثر تمثيلية تتفاوضان حول تحسين الدخل والقدرة الشرائية، فمن المنطقي أن يكون للمتقاعدين نصيب من هذه السياسة، عبر آليات واضحة و مستقلة تراعي خصوصية أنظمة التقاعد.
وهنا يمكن التفكير في إحداث آلية مؤسساتية دائمة تُعنى بملفات المتقاعدين، أو تخصيص محور قار داخل الحوار الاجتماعي لمناقشة أوضاعهم، بما يسمح بإقرار إجراءات دورية لمراجعة المعاشات أو دعم القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة.
لقد أثبت الحوار الاجتماعي أنه قادر على إنتاج إجراءات مالية و اجتماعية مهمة لفائدة عدد من الفئات. و تُظهر المعطيات الرسمية أن الاتفاقات الاجتماعية المبرمة خلال السنوات الأخيرة تضمنت إجراءات لتحسين الدخل و القدرة الشرائية. لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: *” هل نستطيع إنصاف المتقاعدين؟*” بل: **متى نضع هذا الإنصاف ضمن أولويات السياسات الاجتماعية؟*”
– لا نريد صدقة.. نريد عدالة
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة هو أن تنظر إلى مطالب المتقاعدين بمنطق الإحسان أو المساعدة الاجتماعية فقط.
هذه الفئة لا تطلب صدقة.
المتقاعدون يطالبون بحقهم في أن تُحتسب سنوات العمل والتضحيات و الخدمة العمومية ضمن رؤية اجتماعية تحفظ لهم كرامتهم، و تمنحهم القدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية التي لم تكن موجودة عندما كانوا في بداية مسارهم المهني.
كما أن إنصاف المتقاعد ليس عبئاً على الدولة فقط؛ بل هو أيضاً استثمار في الثقة. فالموظف و العامل الذي يرى زميله السابق يعيش بكرامة بعد نهاية مساره المهني، سيكون أكثر اطمئناناً إلى مستقبله و أكثر ثقة في منظومة الحماية الاجتماعية.
و في المقابل، فإن استمرار الإقصاء و التهميش قد يبعث برسالة سلبية إلى الأجيال الحالية: ماذا سيكون مصيرنا عندما تنتهي سنوات العمل؟
– العدالة الاجتماعية لا تتوقف عند باب التقاعد
لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول وضعية المتقاعدين المدنيين و العسكريين، بعيداً عن المزايدات السياسية و الحسابات الضيقة.
المطلوب هو بناء تصور جديد يجعل **الكرامة بعد التقاعد جزءاً من العدالة الاجتماعية** ، و يأخذ بعين الاعتبار تطور الأسعار، و القدرة الشرائية، و كلفة العلاج، و الحاجيات الأسرية، و الفوارق بين المعاشات.
و من المهم الإشارة إلى أن بعض القطاعات بدأت بالفعل في معالجة جوانب من وضعية متقاعديها. ففي قطاع العدل، مثلاً، تم اتخاذ إجراءات لفائدة المتقاعدين، من بينها إعفاء بعض الفئات من واجبات الانخراط في المؤسسة الاجتماعية و إدماج المتقاعدين في التأمين التكميلي عن المرض مجاناً وفق الشروط المحددة. وهي مبادرات تؤكد أن معالجة وضعية المتقاعد ممكنة متى توفرت الإرادة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من المبادرات القطاعية المتفرقة إلى ” رؤية وطنية أكثر شمولاً و إنصافاً “.
المتقاعدون المدنيون و العسكريون ليسوا من الماضي؛ إنهم جزء من حاضر المغرب و ذاكرته و مستقبله.
هم آباء وأمهات وأسر و مواطنون يواجهون نفس غلاء المعيشة، و يشترون نفس المواد، و يؤدون نفس تكاليف العلاج و الخدمات.
لقد خدموا الوطن في مرحلة من حياتهم، ومن حقهم اليوم أن يشعروا بأن الوطن لم ينسهم.
* كفى من الإقصاء و التهميش.
* كفى من اعتبار التقاعد نهاية للحق في العدالة الاجتماعية.
* آن الأوان لأن يصبح إنصاف المتقاعدين جزءاً أصيلاً من الحوار الاجتماعي، و أن تُراجع الآليات التي تحول دون استفادتهم من ثمار الإصلاحات الاجتماعية.**
فالدولة التي تكرّم من خدموا الوطن لا تكتفي بتذكرهم في المناسبات، و إنما تجعل **كرامتهم بعد التقاعد التزاماً مؤسساتياً و أخلاقياً و اجتماعياً.**


