نسيم يكتب: من الفقر إلى الاضطهاد… كيف يعيد الإعلام الإسباني البليد صياغة سردية الهجرة المغربية

نسيم يكتب: من الفقر إلى الاضطهاد… كيف يعيد الإعلام الإسباني البليد صياغة سردية الهجرة المغربية

نسيم كوهن – الأمين العام للتكتل المغربي للترافع السيادي

لم تعد صورة المهاجر المغربي في بعض التغطيات الإعلامية الإسبانية تقدَّم فقط باعتبارها نتاجا للفقر أو البطالة أو البحث عن فرص اقتصادية أفضل، خلال الأيام الأخيرة تزامنا مع أحداث سبتة المحتلة، برز اتجاه إعلامي (عدائي) يضع قصصا فردية مرتبطة بالأسرة والدين والحريات الشخصية والمساواة بين الجنسين في مقدمة تفسيره لظاهرة الهجرة، وهو تحول يستحق التوقف عنده، ليس من زاوية رفض هذه القضايا في حد ذاتها، وإنما من زاوية الطريقة التي تُنتقى بها وتُوظف بها داخل السردية الإعلامية.

المشكلة لا تكمن في تناول حالات العنف الأسري أو التضييق الاجتماعي أو صعوبات الاندماج أو قضايا الحريات الفردية، فهذه لم تعد موضوعات مشروعة وجديرة بالتغطية، الإشكال يبدأ عندما تتحول حالة فردية إلى عدسة يُنظر من خلالها إلى مجتمع كامل، وعندما يصبح تصريح شخص واحد، ولا سيما إذا كان قاصرا أو مهاجرا في وضعية قانونية هشة، منطلقا وأساسا لتفسير ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة ومعقدة.

تغطيات اعلامية هناك وهنالك، تلك التي نشرتها صحيفة إل باييس وغيرها، تلفت الانتباه إلى تحول واضح في زاوية المعالجة، فبدلا من الاقتصار على العوامل الاقتصادية التقليدية للهجرة، يجري التركيز على قصص شخصية تتحدث عن الأسرة والدراسة والسفر واللباس والمعتقد والحريات الفردية والمساواة بين الجنسين، هذا التحول في حد ذاته ليس دليلا على وجود مؤامرة، لكنه يكشف شيئا أكثر أهمية، وينم عن جهل تام في اختيار زاوية القصة باعتبارها جزء من صناعة الرسالة الإعلامية التنويرية والموضوعية، فالصحفي يستطيع أن يروي قصة الهجرة من خلال البطالة، أو من خلال الطموح الاقتصادي، أو من خلال الفوارق في الأجور، أو من خلال تغير المناخ، أو من خلال المشاكل الأسرية والاجتماعية، وكل زاوية تنتج لدى القارئ تفسيرا مختلفا للظاهرة، أما عندما تتكرر الزاوية نفسها عبر قصص متعددة، فإنها لا تعود مجرد حكايات فردية، بل تبدأ في تشكيل تصور عام عن البلد الذي جاء منه المهاجر.

لابد اليوم من التنبيه لخطورة تحويل التجارب الفردية إلى حقيقة اجتماعية عامة، وهنا تظهر حنكة وحكمة الضبط الاعلامي للرسالة ومقوماتها الأخلاقية، كما قد تظهر ايضا إحدى أهم نقاط الضعف في هذا النوع من التغطيات، الفارق بين الشهادة الشخصية والدليل الاجتماعي، فقد تكون تجربة شاب أو شابة مع أسرته مؤلمة وحقيقية، وقد يكون شخص آخر قد تعرض فعلا للعنف أو التمييز أو التضييق، لكن صحة التجربة الفردية لا تعني تلقائيا أنها تمثل ملايين المغاربة، ومن هنا تبرز ضرورة طرح أسئلة مهنية بسيطة، كم عدد الحالات التي تمت دراستها؟ هل توجد بيانات مستقلة تؤكد انتشار الظاهرة؟ هل تمت مقابلة الطرف الآخر؟ هل جرى التحقق من الادعاءات؟ وهل وُضعت القصة ضمن سياق اجتماعي وإحصائي يسمح للقارئ بفهم حجم المشكلة الحقيقي؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بقاصرين، لأن القاصر قد يقدم رواية متأثرة بظروف أسرية أو نفسية أو قانونية معقدة، ولا يجوز مهنيا تحويل شهادته، مهما كانت مؤثرة، إلى حكم شامل على مجتمع بأكمله.

من زاوية أخرى، هناك جانب آخر ينبغي التعامل معه بحذر شديد، المهاجر الذي يسعى إلى تسوية وضعه القانوني أو الحصول على حماية أو لجوء قد تكون لديه مصلحة مباشرة في تقديم رواية تفسر مغادرته لبلده باعتبارها نتيجة اضطهاد أو تهديد شخصي، وهذا لا يعني أن كل طالب لجوء يكذب، ولا يعني أن ادعاءات الاضطهاد غير صحيحة، على العكس، توجد حالات حقيقية تستحق الحماية، لكن وجود مصلحة قانونية محتملة يفرض على الإعلام مستوى أعلى من التحقق، لا مستوى أقل… فالصحافة ليست محكمة لطلبات اللجوء، ولا ينبغي أن تتحول إلى جهة تمنح الشرعية تلقائيا لرواية طرف واحد، وإذا كانت هناك اتهامات بالعنف أو الاضطهاد، فإن واجب الإعلام هو عرضها باعتبارها ادعاءات تحتاج إلى التحقق، مع احترام حقوق الأطراف الأخرى بدلا من تقديمها كحقائق نهائية، فبالرغم من تغير السردية في التغطيات الاعلامية او زاوية المعالجة الباهتة، فإن اللافت في الطرح الاعلامي الذي أثارته منابر ومنصات عدة، هو المقارنة بين مرحلتين في تفسير الهجرة المغربية، مرحلة كان فيها التركيز على الفقر والبطالة والبحث عن العمل، ومرحلة تتقدم فيها مفردات مثل الحريات والاضطهاد الأسري والدين والمساواة بين الجنسين، يمكن تفسير وقراءة هذا التحول بطريقة أكثر تعقيداً من مجرد القول بوجود مؤامرة على صورة ومكانة المغرب، فالإعلام يبحث بطبيعته عن القصص الإنسانية المثيرة، كما أن القضايا المرتبطة بالحريات والعنف الأسري والدين أكثر قدرة على جذب اهتمام الجمهور من قصة تقليدية عن البطالة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستثناءات المثيرة إلى القاعدة التفسيرية، وعندما يصبح الوطن الأم في القصة الإعلامية مجرد فضاء للقمع الاجتماعي، بينما تختفي من المشهد عوامل أخرى للهجرة، مثل الفوارق الاقتصادية، وسوق العمل، وشبكات الهجرة، والتفاوتات المجالية، والطموح الفردي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والرغبة في تحسين مستوى المعيشة.
الأكيد والمؤكد أن من حق الصحافة الإسبانية، كما من حق أي وسيلة إعلامية، أن تنتقد سياسات وممارسات اي دولة او مؤسسة، ومن حق الصحفي أن يطرح الأسئلة الصعبة حول حقوق الإنسان والحريات والعنف الأسري والمساواة، لكن النقد الجاد يختلف عن بناء صورة نمطية، فإذا كان الهدف فهم أسباب الهجرة، فلا يكفي تقديم المغرب باعتباره بلدا يهرب منه أبناؤه بسبب القمع أو الاضطهاد، وإذا كان الهدف مناقشة الحريات، فلا بد من وضعها ضمن سياقها الاجتماعي والقانوني والثقافي، ومقارنتها بالمعطيات الموضوعية، لا الاكتفاء بقصص فردية منتقاة، والأخطر أن يتم استعمال قصص المهاجرين لتقديم حكم سياسي شامل عن البلاد، بحيث تصبح كل تجربة شخصية دليلا على فشل السياسات العامة والعمومية، وكل نجاح لمهاجر في الوصول إلى أوروبا دليلا ضمنيا على أن بلده الأصلي غير قابل للحياة، هذه ليست صحافة تفسيرية متوازنة، إنها، في أحسن الأحوال، اختزال مفرط لظاهرة شديدة التعقيد عنوانها الغباء الاعلامي… تنظيما وزحفا نحو العبث.
واستحضارا لأهمية محور التنمية في الصورة الاعلامية، وهي عنصر حيوي يغيب كثيرا عن السرديات التي تختزل الهجرة المغربية في الهروب من الواقع الاجتماعي، هناك تحولات اقتصادية واجتماعية وعمرانية وتعليمية واسعة، واستثمارات ومشاريع تنموية وتغيرات في البنية التحتية وسوق العمل، يمكن انتقاد نتائج هذه السياسات، ويمكن مساءلة الدولة حول اختلالاتها، لكن تجاهلها بالكامل عند تفسير الهجرة يجعل الصورة ناقصة، وفي المقابل، فإن وجود مشاريع تنموية لا يعني أن البطالة أو الفوارق الاجتماعية أو المشاكل الأسرية قد اختفت، التحليل الجاد لا يحتاج إلى تبرئة المغرب ولا إلى إدانته، يحتاج إلى وضع جميع العوامل على الطاولة، لذلك علينا اليوم ان نساءل الاعلام الاسباني عن سبب تآمره بهذا الشكل على صورة المنلمة المغربية، لماذا يساهم في تعميم صورة لا تشكل الا تجربة شخصية محدودة النطاق والسياق، هل يعلم ارباب وسائل الاعلام الاسبانية أن مثل هذا التعميم ينتج حكما واسعا انطلاقا من وقائع محدودة، لذلك وجب علينا جميعا مساءلة الخطاب الإعلامي الذي ينتقي من الواقع ما يخدم قصة محددة، والذي يرفع شهادة فردية إلى مستوى الظاهرة، والذي يقدم اتهاما غير موثق باعتباره حقيقة، أو يحول قضية اجتماعية قابلة للنقاش إلى أداة لإصدار حكم سياسي شامل، فالصحافة المهنية لا تقاس فقط بقدرتها على العثور على قصة مؤثرة، وإنما أيضا بقدرتها على طرح الأسئلة التي قد تزعج القصة نفسها، ومن هنا، فإن التعامل مع التغطيات الإسبانية المتعلقة بأحداث سبتة المحتلة، ينبغي ألا يكون برد فعل عاطفي مضاد، بل بعمل أكثر صرامة، تفكيك المصادر، مقارنة الروايات، التحقق من الادعاءات، البحث عن البيانات، مساءلة الانتقائية، وإبراز السياقات التي تغيب عن التقرير، فالمعركة الحقيقية ليست بين الرواية الإسبانية والرواية المغربية، وإنما بين الإعلام الذي يكتفي بإنتاج قصة جذابة، والمنصة التي تصر على البحث عن الحقيقة بكل تعقيداتها، وفي ملف الهجرة تحديدا، لا ينبغي أن يصبح المهاجر المغربي مجرد شاهد تستعمله سردية جاهزة، ولا أن يتحول الوطن الأم إلى مجرد متهم في قصة كتبت نهايتها مسبقا.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *