ليلة القدر: محراب العبادة وعرس الفرحة بنور الطاعة وبراءة الصغار

ليلة القدر: محراب العبادة وعرس الفرحة بنور الطاعة وبراءة الصغار

 

بقلم: يوسف باجا – أخصائي نفسي

​تطل علينا ليلة القدر بنفحاتها الربانية لتغسل القلوب وتجدد العهد مع الخالق، فهي الليلة التي اختصرت ألف شهر في ساعات من النور والسكينة. وفي وجداننا الأصيل، لا تقتصر هذه الليلة على الاعتكاف والقيام وتلاوة القرآن فحسب، بل تتحول إلى عرس اجتماعي فريد، تزهو فيه براءة الأطفال بجوار خشوع الكبار، في مشهد يمزج بين قدسية المحراب وفرحة البيت، ويجسد تلاحم الأرض بالسماء.
​تتجلى عظمة هذه الليلة في ممارسة تربوية ونفسية ضاربة في القدم؛ حيث يُشجع الصغار على “خوض معركة الصبر” عبر صيام يومهم الأول. هذا الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تدريب على قوة الإرادة وبناء الشخصية وتأكيد الذات، حيث يُعامل صيام الطفل كحدث بطولي يتوج بدعوات الأهل وهداياهم. إن مائدة الإفطار في هذه الليلة ليست مائدة عادية، بل هي لحظة اعتزاز يشعر فيها الصغير بـ “النضج الروحي” وأنه صار شريكاً للكبار في عبادتهم، مما يرسخ مفهوم التدين في ذهنه كرحلة من التحدي الممتع والمكافأة النفسية والاجتماعية الجزيلة.
​وما إن يصدح آذان المغرب، حتى تتحول البيوت إلى منصات للاحتفال تضاهي في بهجتها أعراس الكبار. فتزدان البنات بالقفاطين المطرزة بـ “السفيفة” و”العقاد”، وتلمع في رؤوسهن التيجان والحلي التقليدية، مع نقوش الحناء التي تفوح برائحة البركة، فيبهرن الناظرين كأنهن “عرائس” من زمن الأساطير خرجن للتو من حكايات ألف ليلة وليلة. وعلى الضفة الأخرى، يطل الفتيان بالجلباب المغربي أو “الجبادور” المخزني مع الطربوش الأحمر، في مظهر يفيض وقاراً وأصالة، ليطلوا كـ “عرسان” يخطون أولى خطواتهم نحو الرجولة والقيم والالتزام.
​إن هذه الطقوس التي تمزج بين الصوم والاحتفال ليست مجرد مظاهر شكلية، بل هي رسالة تربوية عميقة تهدف إلى ربط الذاكرة الطفولية بالجمال والارتقاء الروحي. فبين دعاء المصلين الذي يملأ أركان المساجد بالسكينة، وزغاريد الأمهات التي تملأ البيوت بالفرح، تظل ليلة القدر ذكرى محفورة في الوجدان لا تُمحى. إنها الليلة التي يتعلم فيها الطفل أن الدين هو توازن بين الروح والجسد، وأن لكل جهد في الطاعة مكافأة من الفرح والتقدير، وهو ما يسهم في بناء هوية متزنة تعتز بجذورها وتسمو بقيمها.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *