هل تسقط شعبية الساسة المعمرين و تصعد الوجوه الجديدة؟
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تعود الساحة السياسية إلى واجهة النقاش، ليس فقط من بوابة البرامج الانتخابية والشعارات المعتادة، وإنما من سؤال أكثر حساسية: ماذا يحدث حينما تتراجع شعبية الوجوه السياسية التي اعتاد الناخبون رؤيتها؟
فالانتخابات ليست مجرد موعد دستوري يتجدد كل خمس سنوات، بل هي لحظة سياسية يخضع فيها رصيد المنتخبين والمرشحين للاختبار. والناخب مهما حاولت الخطابات السياسية التأثير عليه، يبقى في النهاية أمام سؤال بسيط: ماذا تحقق؟ وماذا تغيربين حصيلة الأمس وطموح الغد ؟
المنافسة المقبلة قد لا تكون فقط بين الأحزاب، وإنما بين تجربتين سياسيتين: وجوه سابقة تراهن على التجربة والشبكات الانتخابية والرصيد السياسي، ووجوه جديدة تدخل السباق حاملة خطاباً مختلفاً، وتقدم نفسها باعتبارها بديلاً عن أساليب سياسية فقدت جزءاً من بريقها.
لكن الوجوه الجديدة ليست بالضرورة مرادفاً للتغيير، كما أن الوجوه القديمة ليست بالضرورة عنواناً للفشل.
المعيار الحقيقي يجب أن يكون: الكفاءة، الحضور، النزاهة، القدرة على التواصل، والقدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين داخل المؤسسات.
فالناخب المغربي لم يعد يريد أن يسمع فقط من يقول: سنعمل، سنحقق، سنغير. بل يريد أن يعرف: كيف؟ ومتى؟ وبأي إمكانيات؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا لم يتحقق الوعد؟
فحين تتحول الشعبية إلى رصيد مستهلك ينهار السياسي الذي قضى سنوات في العمل المؤسساتي ، و تسقط ورقة اعتماه إلى الأبد ، فالثقة الانتخابية ليست شيكاً على بياض، والشعبية السياسية ليست ملكية دائمة.
قد يكون المرشح معروفاً، وقد تكون له تجربة طويلة، وقد يكون اسمه حاضراً في المشهد السياسي، لكن ذلك كله قد يفقد قيمته إذا شعر المواطن بأن التواصل معه كان موسمياً، وأن الوعود الانتخابية لم تجد طريقها إلى الواقع.
وهنا تبدأ ظاهرة التصويت العقابي في الظهور، حين يقرر الناخب أن يستخدم ورقته الانتخابية ليس فقط لاختيار من يريده، وإنما أيضاً لمحاسبة من يرى أنه لم يكن عند مستوى انتظاراته.
الوجوه الجديدة أمام امتحان صعب
وفي المقابل، فإن صعود الوجوه الجديدة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد موجة انتخابية.
فالوجه الجديد الذي يطلب ثقة المواطنين مطالب بأن يقدم أكثر من خطاب نقدي تجاه السابقين. عليه أن يقدم برنامجاً قابلاً للتنفيذ، وأن يمتلك الجرأة على الحديث عن المشاكل الحقيقية بعيداً عن لغة الشعارات ، فالجديد لا يصبح بديلاً لأنه جديد فقط، وإنما لأنه قادر على تقديم الأفضل.
ومن هنا ستكون المنافسة الحقيقية في 23 شتنبر بين من يملك القدرة على إقناع المواطن بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل، وبين من يحاول استعادة ثقة تراجعت بفعل تراكمات السنوات الماضية.
و يبقى السؤال الأبرز هل تغير الناخب المغربي؟
و السؤال الأهم ربما ليس: من سيفوز؟
بل: هل تغير الناخب نفسه؟
هل سيظل التصويت مرتبطاً بالولاءات الشخصية والوعود والمصالح الظرفية؟ أم أن المواطن سيجعل من صوته أداة لتقييم البرامج والكفاءات والحصيلة؟
وهل ستنجح الوجوه الجديدة في اختراق الحواجز التي ظلت تحمي بعض الأسماء السياسية التقليدية؟ أم أن خبرة المرشحين السابقين وشبكاتهم الانتخابية ستظل قادرة على إعادة إنتاج المشهد نفسه؟
إنها أسئلة ستجيب عنها صناديق الاقتراع، لكن المؤكد أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة على أي مرشح ، و السياسة لا تُقاس بعدد الصور واللافتات. لقد تغيرت وسائل التواصل، وأصبح المواطن قادراً على مقارنة التصريحات بالوقائع، والوعود بالحصيلة، والخطاب بالممارسة.
ولذلك فإن الحملة الانتخابية الحديثة لا ينبغي أن تكون سباقاً في عدد الملصقات أو التجمعات، بل سباقاً في الأفكار والبرامج والقدرة على الإقناع ، فالناخب يريد ممثلاً يسمعه بعد الانتخابات كما يسمعه قبلها، ويبحث عن سياسي لا يظهر فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع.
وفي نهاية المطاف، فإن سقوط شعبية بعض الساسة لا يعني بالضرورة انتصار الوجوه الجديدة، كما أن بقاء الأسماء القديمة لا يعني بالضرورة استمرار الثقة بها.
المعادلة الحقيقية ستُحسم يوم الاقتراع: من أقنع المواطن بأنه يستحق صوته؟ ومن أقنعه بأنه قادر على تمثيله؟
23 شتنبر لن يكون مجرد تاريخ انتخابي؛ بل سيكون، بالنسبة إلى عدد من الوجوه السياسية، اختباراً حقيقياً للرصيد الشعبي، ولقدرة القديم على تجديد الثقة، والجديد على صناعة الثقة.
فالسياسة في النهاية ليست إرثاً يُورث، ولا شعبية تُضمن إلى الأبد… إنها ثقة تُكتسب، ومسؤولية تُمارس، وحصيلة يحاسب عليها الناخب.
بقلم :محمد العدناني
ناشط حقوقي و محلل


