ديناميكية عاشوراء المغربية: تفكيك الطقوس بين الإرث التاريخي والمخيال الجماعي

ديناميكية عاشوراء المغربية: تفكيك الطقوس بين الإرث التاريخي والمخيال الجماعي

​بقلم: يوسف باجا / أخصائي نفسي إكلينيكي

​لا تمثل عاشوراء في الفضاء الثقافي المغربي مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هي “مختبر سوسيولوجي وأنثروبولوجي” شديد الغنى، تتداخل فيه العبادة بالاحتفال، وينصهر فيه المقدس بالدنيوي. إنها لحظة زمنية استثنائية تنفلت من الرتابة اليومية لتكشف عن الرواسب الثقافية العميقة للمجتمع المغربي. من خلال إخضاع طقوس عاشوراء — من “الفكية” واللعب، مروراً بالمفرقعات و”الشعالة” (إشعال النيران)، وصولاً إلى الممارسات السحرية وجذور الطقوس الشيعية — للمساءلة العلمية عبر تفكيكها من زوايا علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، وعلم النفس الاجتماعي، يتضح لنا كيف يعيد العقل الجمعي إنتاج الهوية والتوازنات الاجتماعية والنفسية من خلال طقوس تبدو في الظاهر عفوية، لكنها في العمق تخضع لترتيبات بنيوية صارمة.

​من الناحية الأنثروبولوجية، تكشف عاشوراء المغربية عما يُعرف في أدبيات العلوم الإنسانية بـ”التثاقف المدمج” (Syncretism)، حيث استطاع الوجدان الشعبي محاورة روافد تاريخية متعددة وصهرها في قالب محلي مغربي خالص. يتجلى هذا بوضوح في الأثر الشيعي الممتد من العصر الفاطمي والإمارات الشيعية القديمة؛ فعاشوراء في المشرق العربي هي زمن للحزن الدفين والندب والنواح على استشهاد الحسين بن علي في كربلاء، غير أن المجتمع المغربي قام بعملية أنثروبولوجية لافتة تسمى “قلب الطقس”. لقد تحول الحزن المأساوي إلى طقس احتفالي بهيج، مع الحفاظ على القشرة الرمزية الروحية. وتبرز هنا شخصية “بابا عيشور” الأسطورية، التي يتم التعامل معها أنثروبولوجياً كرمز للخصوبة ودورة الحياة والموت، حيث يُحتفى بقدومه ثم يُعلن موته رمزيّاً بنهاية الاحتفالات، في محاكاة لا تخلو من ملامح النواح الاحتفالي الذي تردده النساء في أهازيجهن (عيشوري عيشوري، عليك دليت شعوري).

هذا الدمج الأنثروبولوجي يمتد أيضاً إلى طقوس ما قبل الإسلام (الأمازيغية القديمة) المرتبطة بالأرض والخصوبة، مثل طقس “زمزم” (رش الماء) وإشعال النار، وهي ممارسات تطهيرية تم إلباسها لبوساً دينياً لتكتسب شرعيتها داخل الثقافة السائدة.

​سوسيولوجياً، تنتقل المناسبة من رصد الجذور إلى تحليل الوظائف البنيوية الحالية داخل المجتمع، وهنا تبرز طقوس شراء وتوزيع “الفكية” (الفواكه الجافة كالتمر واللوز والجوز) واقتناء اللعب للأطفال (كالتعاريج والطبول والآلات الإيقاعية المحلية). علم الاجتماع لا ينظر إلى هذا السلوك بوصفه فعلاً استهلاكياً أو اقتصادياً محصناً، بل هو آلية حيوية لتعزيز التضامن الاجتماعي وإعادة إنتاج الروابط الأسرية والقبلية. إن تداول الفاكهة يمثل شكلاً من أشكال “الهدية” بمعناها السوسيولوجي العميق (حسب إيميل دوركايم ومارسيل موس)، حيث تسهم في تجديد العهد والبركة والتكافل الاجتماعي بين الأقارب والجيران. أما على الجانب الآخر من الشارع السوسيولوجي، فتأتي ظاهرة “الشعالة” وإطلاق المفرقعات والشهب لتعبّر عن مفهوم “الفوران الجماعي”. إن ليلة عاشوراء تمنح الشباب والمراهقين مساحة مرخصة اجتماعياً للتنفيس والتمرد المؤقت وتكسير الهرمية الاجتماعية الرتيبة. من خلال التكتل حول النار واحتلال الفضاء العام، يمارس الشباب نوعاً من “العنف الرمزي” و”إثبات الذات” عبر فرقعة المتفجرات الصوتية، وهي سلوكيات، بالرغم من مخاطرها، تعمل سوسيولوجياً كصمام أمان لتصريف الطاقات والاضطرابات الكامنة، والتحلل الموقّت من الضوابط الصارمة قبل العودة إليها مجدداً بعد انطفاء النيران.

​في النسيج الأكثر عمقاً وسرية لعاشوراء، يتدخل علم النفس الاجتماعي لتفكيك العلاقات النفسية بين الجنسين، وآليات الدفاع التي تطفو على السطح، وتحديداً من خلال ظاهرتي السحر والأهازيج النسائية الحصرية. تُعامل عاشوراء في السيكولوجيا الشعبية كزمن “خارج القيود”، حيث يُعتقد شعرياً ونفسياً أن القوى الخفية تنشط، وأن “الثقاف” (العقد والنحوسات) يسهل فكه. هنا، لا يمكن قراءة لجوء بعض النساء إلى الممارسات السحرية وشراء الأعشاب والبخور على أنه مجرد “جهل أو شعوذة”، بل يفككه علم النفس الاجتماعي كآلية دفاعية تعويضية للتحكم ومواجهة القلق (Coping Mechanism). في البنى الاجتماعية التي قد تشعر فيها المرأة بالضعف أو بتهديد استقرارها الأسري، يصبح السحر أداة نفسية متوهمة لاستعادة السيطرة والشعور بالأمان العاطفي وموازنة القوى مع سلطة الرجل.

يتكامل هذا الطرح النفسي مع “الصراع الصامت والمؤقت” بين الجنسين في ليلة عاشوراء؛ حيث تنسحب النساء إلى الأسطح أو الأزقة الخلفية ليرددن أهازيج تتسم بجرأة نقدية حادة ولاذعة للرجل وسلطته (مثل: شيباني وعاطياني ريحتو…). هذا السلوك يمثل حالة مثالية من “التطهير النفسي” (Catharsis)، حيث يُسمح للمرأة بتفريغ الكبت والضغط المتراكم طوال السنة نتاج الأحكام والمعايير الاجتماعية الصارمة، في إطار جماعي يمنحها الحماية والشرعية.
​في الختام، يمكن القول إن عاشوراء المغربية هي تجسيد حي لذكاء الثقافة الشعبية وقدرتها على تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي. إنها المناسبة التي تتيح للمجتمع أن يكسر قواعده ونظامه الصارم لفترة محدودة، لكي يتمكن من الحفاظ على هذا النظام واستمراريته في بقية أيام السنة؛ فبينما تثبّت الفاكهة واللعب قيم التكافل والاستقرار، تفتح الشعالة والمفرقعات والسحر والأهازيج أبواب التنفيس والتمرد الرمزي المشهود والمقبول.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *