كوهن يكتب: حين يهزم تقرير الجواهري رواية الإنجاز الحكومي… هل كذب اخنوش على الملك وباع الوهم الوهم للمغاربة؟

نسيم كوهن / التكتل المغربي للترافع السيادي
لم يكن التقرير السنوي الذي قدمه والي بنك المغرب أمام جلالة الملك محمد السادس مجرد عرض تقني لمؤشرات الاقتصاد الوطني، بل بدا أشبه بمراجعة نقدية عميقة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، في لحظة يواصل فيها الخطاب الحكومي الحديث عن نجاحات وإنجازات غير مسبوقة.
فبينما تصر الحكومة على تسويق حصيلة تعتبرها استثنائية، جاءت خلاصات التقرير لتسلط الضوء على مفارقة يصعب تجاهلها، الاقتصاد ينمو على الورق، لكن آثار هذا النمو لا تصل بالقدر الكافي إلى حياة المواطنين، إنها فجوة بين لغة الأرقام ولغة الواقع، وبين المؤشرات الماكرو-اقتصادية وما يعيشه المغاربة يوميا من بطالة وغلاء وتراجع في القدرة الشرائية، لقد بدا واضحا أن والي بنك المغرب وضع أمام المؤسسة الملكية صورة أكثر تعقيدا مما تروجه الحملات السياسية والإعلامية، فالنمو الذي بلغ 4.9 في المائة خلال سنة 2025 لم ينجح في خلق سوى نحو 82 ألف منصب شغل، بينما استقرت البطالة عند مستويات مرتفعة بلغت 13 في المائة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وهنا يبرز السؤال السياسي الذي يصعب تجاهله، إذا كانت الحكومة تقدم حصيلة متفائلة، بينما تؤكد مؤسسة دستورية مستقلة أن ثمار النمو لا تصل إلى المواطنين، فأي رواية تعكس حقيقة الوضع الاقتصادي والاجتماعي؟
إن التقرير المذكور، لم يكتف بتشخيص اختلالات سوق الشغل، بل وجه رسائل واضحة بشأن محدودية أثر الإنفاق العمومي، وضعف مساهمة الاستثمار الخاص، واستمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتعثر إصلاح التعليم والتكوين المهني، وتأجيل إصلاح أنظمة التقاعد، وهي ملفات شكلت العمود الفقري لوعود الحكومة منذ بداية ولايتها.
وفي هذا السياق، يبدو أن الخطاب الذي يردده مسؤولو حزب التجمع الوطني للأحرار حول الإنجازات الكبرى يصطدم بتقييم مؤسساتي أكثر تحفظا، يطالب بإصلاحات أعمق ويؤكد أن النمو الاقتصادي، مهما بلغت نسبته، يفقد قيمته عندما لا ينعكس على التشغيل، والدخل، وجودة الخدمات العمومية، فأخطر ما كشفه التقرير ليس فقط استمرار الأعطاب القديمة، وإنما اتساع الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي، فحين يشعر المواطن بأن حياته لا تتحسن رغم كل ما يسمعه عن الأرقام الإيجابية، تتراجع الثقة في السياسات العمومية، وتصبح المؤشرات الاقتصادية عاجزة عن إقناع الرأي العام.
لقد جاءت رسالة والي بنك المغرب واضحة، الدولة الاجتماعية لا تقاس بحجم الاعتمادات المالية المعلنة، ولا بنسبة النمو وحدها، بل بقدرة السياسات العمومية على تحسين حياة المواطنين، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق، وتعزيز العدالة الاجتماعية، أما المعركة الحقيقية اليوم، فلا تبدو بين الحكومة ومعارضيها، بل بين خطاب سياسي يركز على تسويق الإنجاز، وواقع اقتصادي واجتماعي يفرض أسئلة أكثر إلحاحا من أي حملة تواصلية، وفي نهاية المطاف، تبقى الوقائع والأرقام الرسمية هي المعيار الذي تقاس به السياسات، لا الشعارات ولا الدعاية الحزبية.

